رأي

قرار الخارجية الامريكية وتصنيف جماعة الإخوان في السودان 

عبد العزيز بخات المحامي

 

عبدالعزيز بخات المحامي 

في لحظة اقليمية شديدة الاضطراب جاء قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة ارهابية ليطرح اسئلة سياسية عميقة تتجاوز حدود السودان نفسه وتمتد الى خرائط الصراع في الشرق الاوسط والقرن الافريقي والبحر الاحمر فهل يمثل هذا القرار مجرد اجراء قانوني امريكي في سياق الحرب السودانية ام انه جزء من اعادة تشكيل المشهد الامني في المنطقة في ظل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران

ان القراءة الاولى لهذا القرار تقود الى استنتاج واضح مفاده ان السياسة الدولية لا تتحرك بمعزل عن موازين القوة والصراعات الجيوسياسية فالقرار جاء في وقت تتصاعد فيه التوترات العسكرية والاستراتيجية بين واشنطن وطهران وهو ما يجعل ملف التنظيمات الايديولوجية ذات الامتدادات العابرة للحدود جزءا من حسابات الامن القومي الامريكي فهل ترى واشنطن ان شبكات الاسلام السياسي المرتبطة بالصراعات المسلحة يمكن ان تتحول الى جزء من معادلة النفوذ الاقليمي التي تتقاطع مع المشروع الايراني في المنطقة

ومن زاوية اخرى يطرح القرار سؤالا اساسيا حول طبيعة التحولات داخل الدولة السودانية نفسها فالحرب التي انفجرت في البلاد لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة بل اصبحت ساحة مفتوحة تتقاطع فيها مصالح القوى الاقليمية والدولية وفي هذا السياق يبدو ان واشنطن تسعى الى اعادة تعريف بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين داخل المشهد السوداني من منظور امني دولي وليس فقط من زاوية السياسة المحلية

فهل يعني ذلك ان المجتمع الدولي بدأ ينظر الى الحركة الاسلامية في السودان باعتبارها جزءا من بنية تهديد عابر للحدود وليس مجرد تيار سياسي داخلي وهل يشكل هذا التصنيف بداية مرحلة جديدة من العزلة السياسية والمالية والتنظيمية لتلك الشبكات التي ظلت لعقود تتحرك داخل الدولة وخارجها عبر منظومات معقدة من المؤسسات الاقتصادية والامنية والتنظيمية

ان التحليل الاكثر عمقا يقود الى فرضية اخرى مفادها ان القرار الامريكي يحمل رسائل متعددة الاتجاهات فهو من جهة رسالة الى الداخل السوداني بان زمن التسويات الغامضة مع التنظيمات العقائدية التي تمتلك اذرعا عسكرية قد اقترب من نهايته ومن جهة اخرى رسالة الى الاقليم بان واشنطن مستعدة لتوسيع ادواتها القانونية والاقتصادية في مواجهة التنظيمات التي ترى انها تشكل جزءا من منظومة عدم الاستقرار في المنطقة

غير ان السؤال الاكثر حساسية يظل مطروحا هل سيؤدي هذا القرار فعلا الى تفكيك البنية التنظيمية للحركة الاسلامية في السودان ام انه سيدفعها الى اعادة انتاج نفسها تحت مسميات جديدة كما حدث في مراحل تاريخية سابقة فالتجربة السياسية لهذه الحركة تكشف عن قدرة عالية على التكيف وتغيير الهياكل التنظيمية والواجهات السياسية كلما تعرضت لضغط سياسي او قانوني

لكن الفارق في هذه المرحلة ان التصنيف الامريكي لا يقف عند حدود الموقف السياسي بل يمتد الى فضاء القانون الدولي والعقوبات المالية والملاحقة العابرة للحدود وهو ما يعني ان شبكات التمويل والعلاقات الخارجية قد تصبح تحت رقابة صارمة وهو تحول قد يعيد رسم موازين القوة داخل الساحة السودانية نفسها

وفي ضوء ذلك يمكن القول ان القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى في النظام الاقليمي فالبحر الاحمر والقرن الافريقي اصبحا اليوم مسرحا لصراع استراتيجي بين قوى دولية واقليمية متعددة وكل تنظيم مسلح او ايديولوجي يعمل داخل هذه الجغرافيا بات جزءا من معادلة الامن الدولي وليس مجرد فاعل محلي محدود التأثير

ومن هنا يتشكل السؤال الاخير والاكثر عمقا هل يمثل هذا التصنيف بداية مرحلة جديدة في تاريخ السودان السياسي مرحلة تتراجع فيها سلطة التنظيمات العقائدية لصالح بناء دولة وطنية حديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون ام ان البلاد ستظل عالقة في دوامة الصراع بين مشاريع ايديولوجية متنافسة تتغذى من اضطراب الاقليم وتناقضات السياسة الدولية

ذلك سؤال مفتوح على المستقبل لكنه في كل الاحوال يعكس حقيقة اساسية مفادها ان السودان لم يعد ساحة معزولة عن العالم بل اصبح جزءا من لوحة الصراع الكبرى التي تعاد فيها صياغة موازين القوة والامن في الشرق الاوسط وافريقيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!