
فاطمة لقاوة
لم يعد قرار الولايات المتحدة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية مجرد خطوة سياسية لحظية، بل تحوّل إلى زلزال سياسي يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، ويضع شخصيات بعينها في قلب العاصفة،وفي مقدمتهم”عبد الفتاح البرهان”.
هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ، لا يستهدف تنظيماً بعينه فحسب، بل يضرب شبكة ممتدة من النفوذ السياسي والإقتصادي والإعلامي، ظلّت تتحرك في الظل لعقود داخل السودان، حيث تتشابك الخيوط بين العسكري والسياسي والأيديولوجي، لتصبح تداعيات هذا التصنيف أكثر خطورة وتعقيداً.
تصريحات علي الحاج لم تكن عابرة أو زلة لسان، بل جاءت كإعتراف صريح بأن ما يُعرف بـ”الكيزان” لم يغادروا المشهد كما يُروّج، بل أعادوا تموضعهم بذكاء داخل مفاصل الدولة، مستغلين واجهات جديدة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. حديثه كشف بوضوح أن البرهان لم يكن سوى أداة في مشروع إعادة التمكين، وأن الطريق إلى السلطة لم يعد عبر صناديق الإقتراع، بل عبر التحكم في مركز القرار السيادي،هنا تتجلى الورطة الحقيقية.
البرهان، الذي يفترض أنه يقود مرحلة إنتقالية، يبدو اليوم محاصراً بين ضغوط داخلية من بقايا النظام القديم، وضغوط خارجية تتصاعد مع دخول التصنيف الأمريكي حيز التنفيذ.
العالم لم يعد يتعامل بمرونة مع أي تقاطعات مع جماعات مصنفة إرهابية، وأي شبهة إرتباط ـــ ولو غير مباشر—قد تضع السودان في عزلة خانقة.
الأخطر من ذلك، أن سلوك البرهان نفسه يعكس حالة من الإرتباك وفقدان البوصلة.
تصريحات متناقضة، قرارات متخبطة، وخطاب سياسي يفتقر للاتساق،يمسي على موقف، ويصبح على نقيضه. هذه الإزدواجية لم تعد تُقرأ كتكتيك سياسي، بل كدليل على غياب القرار المستقل، وإرتهانه لقوى تتحرك خلف الستار.
لقد شاهد السودانيون ذلك بأعينهم: خطابات غير موزونة، ووعود تتبخر سريعاً، وتحركات ميدانية لا تعكس رؤية دولة، بل ردود أفعال مرتبكة.
كل ذلك يعزز الإنطباع بأن الرجل لم يعد يمسك بزمام المبادرة، بل يُدار ضمن منظومة أكبر منه.
تصنيف الإخوان يضع البرهان أمام إختبار حقيقي: إما أن يفك إرتباطه—فعلياً لا خطابياً—بشبكات الإسلام السياسي، ويعيد تعريف موقعه كقائد لمرحلة إنتقالية وطنية، أو يستمر في هذا المسار الملتبس، بما يحمله من مخاطر العزلة الدولية، وربما العقوبات.
في السياسة، هناك لحظات لا تحتمل الوقوف في المنتصف،وهذه واحدة منها.
إما دولة تُبنى على وضوح القرار وإستقلاله، أو سلطة تُدار من خلف الستار حتى تسقط تحت ثقل تناقضاتها.
في ظل هذا المشهد، يبدو أن السؤال لم يعد: هل تورّط البرهان؟بل: هل يملك البرهان الشجاعة الآدبية و الشخصية الكافية للخروج من هذه الورطة؟! أم أنه بالفعل لا يملك قراره؟
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،١٧مارس/٢٠٢٦م




