
عبدالله محمد ادم… كمبالا
في مشهدٍ يثير السخرية و المرارة في آنٍ واحد، اجتمعت حكومات أربع من أكثر دول العالم ضعفًا وانهيارًا في القاهرة، لا لتناقش إنقاذ شعوبها من الهاوية، بل لتوقيع اتفاقية تعاون صحي إقليمي! وكأننا بإزاء مسابقة يتنافس فيها المتسولون على أيهما سيكفل علاج الآخر.
هذا هو حال السودان الذي يغرق في حرب أهلية طاحنة، و تنهار مستشفياته، وينتشر وباء الكوليرا و حمي الضنك بين مواطنيه، لكن حكومته تفضل الترفّع عن معالجة كارثتها المحلية و الانشغال بـ«إنعاش» جيرانها المنكوبين.
لنتأمل للحظة في الخلفية الصحية للدول الموقعة، والتي قد تكون أقرب إلى نكتة سوداء منها إلى مبادرة جادة:
فالسودان يمتلك نظام صحي محتضر بعد حرب طاحنة بين الجيش والدعم السريع دمرت المستشفيات و العيادات، حيث يعاني الشعب من تفشي الأوبئة مثل الكوليرا و سوء التغذية الحاد و في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية.
اما اليمن فنظامه الصحي متهالك بعد سنوات من الحرب، حيث يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم مع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والدفتيريا و سوء التغذية بين الأطفال، و الصومال تعاني من هشاشة النظام الصحي المزمنة، وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، و ارتفاع معدلات سوء التغذية، مع قدرة محدودة جدًا على الاستجابة للكوارث الصحية.
اما جيبوتي، فرغم كونها محورًا لوجستيًا، إلا أنها تواجه تحديات صحية جسيمة مرتبطة بالفقر و الهجرة.
فأي تعاون صحي يمكن أن تنشئه دول «تمشي على عكازين» وتتصور أنها قادرة على إسناد بعضها؟ و أي موارد هذه التي تتبادلها الدول الأربع و هي بالأصل تعتمد على المعونات الدولية لشراء أبسط المستلزمات الطبية؟
انها عبثية الكيزن المهيمنين علي السودان و هروب من المأزق الداخلي إلى أوهام الإقليمية
و في هذا المشهد السوريالي، تبرز عبثية الحكومة السودانية بشكل خاص. فبدلاً من قبول السلام و إنهاء الحرب الأهلية التي تفتك بالبلاد، نراها تفرّ من مأزقها الداخلي إلى أحضان أوهام التعاون الإقليمي.
ان الحل الحقيقي أمام السودان ليس في توقيع اتفاقيات ورقية مع دول تعاني نفس علله، بل في و قف الحرب فورًا وإيقاف نزيف الدم السوداني. و مكافحة الإرهاب و جماعات الميليشيات التي تعيث فسادًا في البلاد .
و الحل في بناء مؤسسات الدولة على أسس سليمة تضمن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
فالسودان لن يجد العون الصحي الحقيقي من دول تماثله في الإعاقة، بل من خلال السلام الذي سيفتح الأبواب أمام منظمات الإغاثة الدولية والدول المانحة القادرة على إعادة بناء النظام الصحي. فلماذا لا بتتجه البرهان للدول المقتدرة؟
و السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يتجه السودان للتعاون مع دول ذات أنظمة صحية متطورة مثل السعودية أو الإمارات أو مصر، بدلاً من هذا التحالف الكرتوني؟
الجواب قد يكون ببساطة أن الحكومات الفاشلة تفضل البقاء في نادي العاجزين مثلها، حيث لا محاسبة حقيقية، ولا نتائج ملموسة مطلوبة. فالتعاون مع الدول المقتدرة يفرض شروطًا وشفافية ونتائج، بينما الاتفاقيات الوهمية مع نظيراتها المنكوبة لا تتطلب سوى حفل توقيع وتصريحات إعلامية.
الاتفاقية في مضمونها الحقيقي ليست سوى محاولة يائسة من حكومات فاشلة لتحويل الأنظار عن عجزها الذريع في إدارة شؤونها الداخلية ، إنه تحالف المشاة الجرحى الذين يحاولون إقناع أنفسهم، وأكثر منهم شعوبهم، بأنهم لا يزالون قادرين على العطاء.
و الخلاصة المرة التي يجب أن تدركها حكومة بورتسودان، هو انه لن يأتي التعاون الصحي الحقيقي من الدول المنكوبة، بل من خلال سلام حقيقي يفتح الباب أمام شراكات دولية ذات جدوى مع دول تمتلك الموارد والخبرات. فهل من معتبر؟




