رأي

تداعيات الحرب في السودان على قيم العيد والتكافل الاجتماعي في ظل انتظار الأمن والسلام

سهيبه مريش

 

سهيبه مريش

يشهد السودان حاليًا واقعًا مريرًا تتشابك فيه أهوال الصراع المسلح مع حرمة المناسبات الدينية والاجتماعية التي طالما شكلت حجر الزاوية في النسيج الوطني. وبينما كان من المفترض أن يطرق باب العيد حاملًا معه نسمات الفرح والتآلف، فقد أفطرت الحرب قلوب المواطنين، وحولت استعدادات البهجة إلى كابوس من النزوح، والجوع، وفقدان الأمان. إن هذه الظروف القاسية تفرض علينا، ونحن على أعتاب عيد مبارك، وقفة تأملية عميقة تستدعي تفعيل أسمى معاني التكافل الاجتماعي وروحانية هذه الأيام، مع تضرع خالص لوقف نزيف الدم وتحقيق أمن دائم للوطان.

لقد أحدثت الحرب الدائرة في السودان شرخًا عميقًا في الحياة اليومية للمواطنين. إن فرحة العيد، التي ترتبط تقليديًا بلم الشمل، وتبادل التهاني، وارتداء الجديد، وموائد الرحمان المفتوحة، قد تبخرت أمام واقع الحصار والقصف وانعدام المقومات الأساسية للعيش الكريم. فالحرب لم تقتل الأجساد وحسب، بل أفطرت الأرواح قبل أن تحين ساعات الإفطار الرمضاني، وجعلت استقبال العيد عبئًا ثقيلًا على كاهل الأسر المشردة أو المحاصرة في مناطق القتال. هذه الأزمة الإنسانية الطاحنة تعني أن نسبة كبيرة من الشعب السوداني لن تعرف معنى العيد هذا العام، بل ستعيش ذكرى الضحايا والجرحى والفاقدين.

في خضم هذا الواقع المأساوي، تبرز ضرورة ملحة لاستثمار ما تبقى من روحانية هذه الأيام لدعم الشرائح الأكثر ضعفًا. فالعيد في جوهره ليس مجرد طقس احتفالي، بل هو مناسبة دينية واجتماعية لتجسيد مفهوم الزكاة والصدقة والوقوف بجوار المحتاجين. ويصبح هذا الواجب أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بالفئات التي تحمل أثقل عبء الحرب. إن التركيز يجب أن ينصب بشكل خاص على المتعففين الذين فقدوا مصادر رزقهم بالكامل، والذين باتوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات العيد لأطفالهم.

ولعل أبرز هذه الفئات وأحقها بالاهتمام هم الأيتام وأبناء الشهداء. الأيتام هم ضحايا الحرب المباشرون، فقد فقدوا سندهم وعائلهم جراء آلة الحرب المدمرة. أما أبناء الشهداء، فهم يمثلون التضحية القصوى من أجل حلم مشروع التحول الديمقراطي المنشود في السودان. إن تضحية الآباء بأرواحهم من أجل وطن أفضل يجب ألا تذهب سدى، ويجب أن يُقابل هذا العطاء بأقصى درجات الرعاية المجتمعية والإنسانية. إن توفير الدعم لأبناء هؤلاء الذين ضحوا من أجل أن يعيش السودان كدولة مواطنة، هو أقل ما يمكن أن يقدمه المجتمع لهم، ليس كمنّة، بل كحق أصيل لهم في كنف الوطن الذي ضحى آباؤهم من أجله. يجب أن يتجاوز الدعم مجرد كسوة العيد، ليصل إلى تأمين احتياجاتهم الأساسية وضمان استمرار تعليمهم، باعتبارهم أمل المستقبل.

إن الدعاء الصادق يمثل الركيزة الروحية التي لا يمكن الاستغناء عنها في مثل هذه الأوقات العصيبة. إن تضرع الملايين من الشعب السوداني، في صلواتهم وفي خلواتهم، من أجل أن يوقف الله هذه الحرب المدمرة، هو صوت واحد يرتفع نحو السماء، طالبًا الرحمة والسكينة. الدعاء ليس مجرد تمني سلبي، بل هو شكل من أشكال المقاومة الروحية، وإيمان بأن القدرة على تغيير مسار الصراع بيد الخالق والقائمين على الأمر. إننا نتضرع أن يمن الله على البلاد بالأمن والسلام، وأن يعيد إليها الاستقرار الذي هو شرط أساسي لأي شكل من أشكال التنمية أو الاحتفال.

إن السلام الذي ننشده ليس مجرد غياب لإطلاق النار، بل هو إعادة بناء للثقة بين أبناء الوطن الواحد. إن الحرب تزرع الكراهية والانقسام، وتهدم الجسور التي بنيت على مدار عقود من العيش المشترك. وفي هذا السياق، تأتي أهمية الدعاء لحنن الله ما بين أبناء الوطن. فالحرب الأهلية أو شبه الأهلية لا يمكن أن تستمر طويلاً دون أن تترك ندوبًا نفسية واجتماعية عميقة تتطلب سنوات طويلة من المصالحة والتعافي. إن حنن القلوب يعني إزالة الضغائن، وإدراك أن المصلحة العليا تكمن في توحيد الصف خلف قضية بناء الدولة، وليس في الاقتتال الداخلي الذي يخدم أجندات خارجية أو مصالح فئوية ضيقة.

إن استعادة بهجة العيد ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستعادة الإحساس بالأمان والعدالة. وعندما يتم توفير الحاجات الأساسية للمتضررين، وعندما يشعر الجميع بأنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن، حتى وإن اختلفوا سياسيًا، فإن ذلك يمثل خطوة أولى نحو إنهاء دائرة العنف. يجب على المؤسسات القائمة، والمنظمات المدنية، وحتى الأفراد ذوي القدرة، أن يجعلوا من هذا العيد منصة لإطلاق مبادرات إغاثية منظمة وموجهة بدقة إلى مستحقيها، مع التركيز على الشفافية لضمان وصول الدعم إلى الأيتام وأسر الشهداء أولاً.

في الختام، بينما يستقبل السودان عيد الفطر وسط جراح عميقة وتحديات وجودية، فإن روح هذا العيد تدعونا إلى تجاوز الألم والانخراط الفعال في مساعدة المتضررين، خاصة أولئك الذين قدموا أغلى ما لديهم دفاعًا عن حلم الوطن. إن الفرحة الحقيقية لن تكتمل إلا عندما تتوقف أصوات المدافع، وينعم الجميع بالأمن والسلام، وعندما تتصافى القلوب وتعود أواصر الأخوة بين أبناء السودان. إن الإيمان بالدعاء والعمل الإنساني المتضافر هما مفتاح العبور من هذه المرحلة المظلمة إلى فجر جديد يليق بتضحيات الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!