رأي

كيف يمكن للنساء كسر منطق الحرب في السودان؟

مها طبيق

 

 مها الهادي طبيق

في الحروب ، تُحسم المعارك في المساحات التي يظنها كثيرون هامشية : المجتمع ، الاقتصاد ، والخطاب العام . هناك ، بعيدًا عن صوت الرصاص ، تتشكل الشروط الحقيقية لاستمرار الحرب أو نهايتها . وفي هذه المساحات تحديدًا ، تمتلك القوى النسوية في السودان فرصة نادرة—وخطيرة—لإعادة تعريف الصراع نفسه .

الفرضية التي يجب الانطلاق منها واضحة هي ان القوى المدنية ، خصوصًا النسوية ، وهي لا تملك القدرة على هزيمة القوى المسلحة عسكريًا . فهي تستطيع أن تنقل الصراع من منطق “من يملك السلاح” إلى منطق “من يملك . الشرعية” وهذا هو مصدر قوتها .

في ظل انهيار الدولة ، ترتبط الشرعية بمن يخدم الناس فعليًا . من يطعم ، من يعالج ، من يعلّم ، ومن يحمي—هو من يكتسب الاعتراف الاجتماعي . وهنا تحديدًا يتشكل المجال الحيوي لتدخل النساء ، كقوة سياسية تبني شرعية بديلة من القاعدة .

التجارب المقارنة تقدم درسًا حاسمًا ، لم تنتظر النساء نهاية الحرب للدخول في السياسة ، بل صنعن لأنفسهن موقعًا داخلها ، الحركة نسوية أعادت تعريف دور النساء من ضحايا إلى فاعلات . فكان تأثيرهن على قدرتهم على تنظيم المجتمع ، الضغط على الأطراف المتحاربة ، وفرض أنفسهن كقوة لا يمكن تجاوزها في مسار التفاوض .

السودان اليوم يقف أمام لحظة مشابهة ، لكن بشروط أكثر تعقيدًا ، حيث الحرب هنا افرزت منظومة اقتصادية متكاملة من التهريب ، والجريمة ، وشبكات المصالح . هذه المنظومة لا تُواجه بالإدانة الأخلاقية ، بل عبر تفكيكها تدريجيًا، وبناء بدائل موازية لها .

وهنا يظهر أحد أهم أدوار القوى النسوية من خلال اختراق اقتصاد الحرب وتقليل الاعتماد عليه . عندما تقود النساء شبكات إنتاج محلي ، وتؤسس تعاونيات ، وتخلق دوائر اقتصادية صغيرة خارج منظومة الحرب ، فإنهن لا يقدمن خدمات فقط، بل يضربن القاعدة المادية التي تغذي الصراع . هذا النوع من التدخل لا يوقف الحرب فورًا ، لكنه يضعف قدرتها على الاستمرار .

بالتوازي، تدور معركة أخرى لا تقل أهمية وهي معركة الخطاب ، حيث الحروب تُدار بالسلاح ، لكنها تُبرر بالأفكار . خطاب “الكرامة”، “الحسم”، و”العدو” هي أداة تعبئة واستمرار الحرب ، وهنا تمتلك النساء قدرة فريدة على إعادة صياغة السردية ، عبر ربط الحرب بتكلفتها اليومية من الجوع ، والفقد ، والنزوح ، والعنف والحرمان .

عندما تتحول الرسالة من “أوقفوا الحرب” إلى خطاب ( الحرب سرقت أماننا وأطفالنا ) ، فيتغير موقعها في وعي المجتمع ، وتصبح الحرب تجربة معيشة لا شعارًا سياسيًا، ويبدأ تآكل شرعيتها من الداخل . لكن التأثير الحقيقي لا يكتمل دون الاقتراب من أكثر المناطق حساسية وهي القاعدة الاجتماعية للمقاتلين. داخل كل معسكر مسلح حيث هناك أسر ، وأمهات ، وزوجات، وبيئات اجتماعية متضررة . هذه المساحات قابلة للاختراق الناعم . عندما تصل الرسائل إلى هذه الدوائر ، وعندما يتم دعمها نفسيًا واجتماعيًا، يبدأ التآكل الصامت في قابلية الاستمرار في خطاب القتال .

هذا المسار لكي يكون فاعلا ، لابد من ان يتحول إلى وزن سياسي ، ذلك لأن أكبر خطأ تاريخي يمكن أن تقع فيه القوى النسوية هو أن تبقى في موقع “الضغط الأخلاقي”. لأن هذا الموقع، مهما كان نبيلاً، لا يغير موازين القوة . فالتحول المطلوب هو الانتقال إلى فاعل سياسي منظم عبر بناء تحالفات واسعة ، وصياغة رؤية واضحة للسلام ، والاستعداد لفرض الحضور في أي عملية تفاوض كطرف أساسي . الشرعية التي تُبنى في المجتمع يجب أن تُترجم إلى تمثيل سياسي ، وإلا ستُصادر نتائجها من قبل الفاعلين المسلحين .

التحدي ليس بسيطًا . القمع ، وضعف الموارد ، والتشتت ، وهيمنة السلاح—كلها عوامل تعيق هذا المسار . فالخطر الأكبر بجانب هذه التحديات ، هو احتمال أن تبقى القوى النسوية خارج المعادلة ، بينما يُعاد تشكيل مستقبل السودان دونها .

في النهاية ، المعركة في السودان في الحقيقة بين مشروعين ، مشروع يقوم على الحرب كأداة للسلطة ، ومشروع يسعى لإعادة بناء المجتمع والحياة . في هذا الصراع تمتلك النساء موقعًا فريدًا . لأنهن الأقرب إلى إدارة الحياة اليومية ، والأقل استفادة من استمرار الحرب . وهذا ما يمنحهن القدرة على تمثيل ما يمكن تسميته بـ”مصلحة الحياة” في مواجهة “منطق السلاح” . فالسؤال هل تستطيع النساء إيقاف الحرب ؟ وهل سيُسمح لهن بإعادة تشكيل شروط نهايتها ؟

 

مها الهادي طبيق 

19 مارس 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!