
دكتور خالد تارس
ما حدث في الطينة التشادية من قصف بالمسيرات هو عمل (عدائي).. يفضح حقيقة ان نظام الإخوان يجيد العنف أكثر مما يجيد إدارة الدول، القصف الذي نفذته قوات البرهان داخل الجارة تشاد هو إنكشاف اخلاقي لسلطة لم تعد ترى في الحدود إلا مجالاً للاختراق واساءة للقانون الدولي، وبهذا التصرف الجبان يحاول التنظيم (الارهابي) جرّ الإقليم إلى الهاوية لكي يفر من أزمة داخلية.!
ان قرار انجمينا بإغلاق الحدود مع السودان، كان ردّاً سيادياً على حماقات نظام يختبر صبر الجيران ب(المسيرات).. هذا القرار يعكس إدراكاً بأن ما يتم ليس حالة تهور أيديولوجي، بل سلوكاً ممنهج يتكرر كلما ضاقت (الخيارات) أمام جماعة لا تعرف العيش في سلام. ويبدو ان نظام الإسلام السياسي كلما فقد السيطرة على أوضاعه الداخليه، اختار التعويض باستعراض قوته في الخارج، ولو كان الثمن زعزعة الاستقرار في المنطقة كلها.!
ان الهجوم بالطيران المسيّر على الطينة راح ضحية مدنيين تشاديين أبرياء، وهو فعل متوقع من عصابة بورتسودان الذي اعلنت عدوانها لنظام نجمينا، وقد حدثت هجمات سابقة للأراضي التشادية مع خطاب رسمي مرافق للقصف، وقد صرح مساعد البرهان الفريق ياسر العطاء ان الهجوم على الأراضي والمطارات التشادية هدفاً مشروعاً، وقد هدد بالاقتصاص من الرئيس محمد كاكا، حيث يمكن قراءت تهديدات العطاء كترجمة لعقيدة سياسية مشبعة بالتطرف والعدوان، ترى في الجوار السوداني ساحة لتصفية الحسابات، وهذا إفصاح صريح عن ذهنية يحكمها الإرهاب لا منطق الدولة، وتؤكد أن القرار في بورتسودان مختطف من قبل تيار (أيديولوجي).. لا يعترف بسيادة البلاد ولا يقيم وزناً لأي التزام دولي.!
ولأن الوقائع لا تكذب، فهذه ليست المرة الأولى التي تمتد فيها نيران المسيّرات إلى خارج الحدود، وتكرار العملية دليل إدانة على هذا الاستفزاز، وبالتالي نحن أمام نمط كيزاني كلما تعمّقت أزمته الداخلية لجأت إلى تصديرها خارجيا سوا كان بالعدوان المباشر او عبر الحملات الاعلامية، وهو تعريف عملي لإرهاب الدولة، خاصة حين تقترن الأفعال بخطاب (تحريضي) وتبرير أيديولوجي متطرف، لهذا لم يعد الحديث عن تصنيف الإخوان المسلمون في السودان كجماعة إرهابية ترفاً سياسياً، فقد كان ضرورة يفرضها واقع سياسي وان هذه الجماعة تمارس (الإرهاب) فعلاً لا قولاً.!
المؤسف أن بعض الكيانات السودانية ما زالت تتعامل مع هذه الجرائم بعقلية البيانات الباهتة. الإدانة، مهما كانت لغتها لم تعد كافية أمام نظام أثبت أنه لا يفهم إلا لغة الردع. وبالتالي الاكتفاء بالشجب في لحظة كهذه ليس حياداً بقدر ما هو تقصير سياسي يرقى إلى مستوى التواطؤ بالصمت. وفي هذه الحالة المطلوب موقف يتجاوز الكلمات إلى فعل يدعم حق الجارة تشاد في حماية سيادتها، وتنسيق إقليمي يضع حداً للعبث الأمني الذي تقوده سلطة بورتسودان.!
إن أخطر ما في هذا التجاوز للقانون الدولي أنه يفتح الباب واسعاً أمام عزلة دولية خانقة للسودان، ويهدد بتحويله إلى بؤرة توتر إقليمي دائم. والنظام الذي يقصف الجيران بالمسيرات لا يُعامل كمهدد يجب احتواؤه وانما كإرهابي يجب اجتثاثه.!
الحقيقة التي لم يعد ممكناً تجميلها هي أن ما يجري هو تعبير صريح عن طبيعة نظام اختار أن يحكم بالعنف ويستمر عبر الفوضى، وقد أصبحت سلطة بورتسودان خطراً مباشراً على محيطها الإقليمي ومع كل مسيّرة تعبر الحدود يموت مواطنين في دوله مجاورة، ومع ذلك يتأكد أن هذا النظام يبحث عن أزمات جديدة يتنفس عبرها. وفي هذه الحالة يصبح الرد الحازم سياسياً وأمنياً ضرورة لحماية الإقليم من نظام قرر أن يجعل من الإرهاب سياسة رسمية لتقويض الدولة ويمتد ذلك إلى دول الجوار.




