
نجم الدين دريسة
من زرع الخراب لا يحصد السلام
في أول تعليق له عقب قرار التصنيف الأخير، خرج علي كرتي داعيًا إلى وقف الحرب وتغليب الحلول السلمية، في خطابٍ بدا وكأنه محاولة لإعادة تموضع سياسي أكثر منه مراجعة حقيقية للماضي. غير أن هذا الطرح يصطدم مباشرة بوعي السودانيين وتجربتهم، إذ لا يمكن فصل هذا الحديث عن الدور الذي لعبته الحركة الإسلاموية في إشعال الحرب، وتقويض مسار الانتقال، والانقلاب على الثورة الشعبية التي خرجت تطالب بالحرية والسلام والعدالة.
إن ما جرى في السودان لم يكن حدثًا عابرًا أو نتيجة ظرفية، بل جاء حصيلة مشروع سياسي قام على الإقصاء والتمكين، وأدار الدولة بعقلية التنظيم لا بعقلية الوطن. فالحركة الإسلاموية، التي كان كرتي أحد أبرز رموزها، لم تكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة، بل عملت على تفكيكها وإعادة تشكيلها لخدمة مصالحها الضيقة، مما خلق بيئة هشة ومشحونة، مهدت لانفجار الصراع لاحقًا.
لقد كان الانقلاب على الثورة الشعبية نقطة مفصلية في هذا المسار، حيث جرى الالتفاف على تطلعات السودانيين، وإجهاض فرصة تاريخية لبناء دولة مدنية ديمقراطية. ولم يكن ذلك مجرد خطأ سياسي، بل كان امتدادًا طبيعيًا لنهجٍ يرى في السلطة غاية، لا وسيلة، ويعتبر الاحتفاظ بها مبررًا لتجاوز كل القيم والمبادئ.
ومن هنا، فإن الحديث اليوم عن السلام، دون الاعتراف بهذا الدور، يبدو منفصلًا عن الواقع. فالحرب التي يعاني منها السودان ليست كارثة سقطت من السماء، بل نتيجة مباشرة لسياسات وممارسات ساهمت في تعميق الانقسام، وإضعاف الثقة، وإغلاق الأفق السياسي أمام الحلول السلمية.
لقد ذاق السودانيون، على مدى سنوات، صنوفًا متعددة من المعاناة في ظل هذا المشروع: تراجع اقتصادي حاد، تآكل في الخدمات، تضييق على الحريات، وبيئة أمنية اتسمت بالقمع وإسكات الأصوات المخالفة. هذه التجربة لم تعد محل جدل أو تأويل، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية التي يصعب تجاوزها بخطابٍ إنشائي.
واليوم، لم تعد الشعوب السودانية تصغي إلى خطاب الدعاية أو الشعارات الجوفاء. فقد تجاوز الوعي العام مرحلة التأثر بالمفردات المنمقة، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الحقيقي ومحاولات التضليل. إن الخطاب الذي لا يعترف بالمسؤولية، ولا يقدم مراجعة صادقة، ولا يلتزم بمبادئ المحاسبة، يفقد تلقائيًا أي قدرة على الإقناع.
إن تحميل المسؤولية عن الحرب ليس مسألة سياسية فحسب، بل هو ضرورة أخلاقية أيضًا. فكل من ساهم في إشعالها، أو خلق الظروف التي أدت إليها، يتحمل نصيبًا من نتائجها، بما في ذلك ما شهدته من فظائع وانتهاكات ألحقت أضرارًا جسيمة بالمجتمع والدولة.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن المستقبل يجب أن ينطلق من فهمٍ واضح لطبيعة الأزمة. فالتجربة أثبتت أن بعض البُنى السياسية والتنظيمية، بما تحمله من أفكار وممارسات، لم تكن قابلة للإصلاح، لأنها قامت في الأصل على أسس تتعارض مع مبادئ الحكم الرشيد والتعددية والمساءلة.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مسار جديد يقطع مع هذا الإرث، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على الولاءات الضيقة أو المشاريع الأيديولوجية المغلقة. مسار يضمن عدم تكرار التجربة، ويضع أسسًا حقيقية للعدالة والمصالحة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لمن كان جزءًا من إشعال الحرب أن يقدّم نفسه كصوتٍ لإطفائها دون مواجهة صريحة مع الماضي. فالكلمات، مهما كانت قوية، لا تكفي إذا لم تساندها أفعال، وإذا لم تُبنَ على صدقٍ حقيقي واستعداد لتحمّل المسؤولية.
السودان لا يحتاج إلى خطابات جديدة بوجوه قديمة، بل إلى تغيير حقيقي يعيد بناء الدولة على أسس مختلفة. وما دون ذلك، سيظل مجرد محاولة أخرى لإعادة إنتاج الأزمة، لا لحلّها.




