
مؤيد الأمين
لم تعد إغلاقات الطرق الشمالية في السودان، (ترس السودان) مجرد احتجاجات فئوية ذات مطالب عابرة؛ بل صوت الشارع السوداني, وتحولت إلى ورقة ضغط استراتيجية حاسمة تضع حداً لسياسات صانع القرار في القاهرة، وتكشف حجمهي الارتهان المصري للموارد السودانية. لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن إغلاق شريان الصادرات المتجه شمالاً بات كابوساً حقيقياً يهدد المنظومة الاقتصادية للجارة السؤ الشمالي، ويُعرّي الاعتماد الهائل على مقدرات شعب يكتوي يومياً بنار الحرب.
تصريحات الخبراء المصريين أنفسهم أقرت بأن شلل الشاحنات على الحدود يُهدد مصانع اللحوم والصناعات التحويلية في مصر بالإفلاس الفوري. هذا الاعتماد الذي يصل إلى مائة بالمائة على الثروات الحيوانية والزراعية السودانية يكشف تناقضاً صارخاً لا يمكن التغاضي عنه: كيف لبلد أن ينعم بموارد السودان وثرواته، بينما يمارس دوراً مشبوهاً في دعم استمرار الحرب وتغذية الصراع، ليكون المستفيد الأكبر من حالة الضعف والشتات التي يعيشها السودانيون؟
لقد أدرك الثوار في السودان أن القاهرة ظلت تتعامل مع الملف السوداني من منظور نفعي بحت، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية لتمرير أجندتها وفرض نفوذها غير المشروع. ومن هنا، جاء “الترس” كصفعة وعي صريحة تُعبر عن الرفض الشعبي الصارم؛ رسالة مفادها أنه لن تُفتح الطرق ولن تُغذى المصانع المصرية بثروات السودان بينما تتواصل أدوار التدخل التي تُطيل أمد الحرب وتدمر النسيج الوطني.
إن ما يشهده الشارع المصري اليوم من ندرة حادة في السلع وارتفاعات قياسية في الأسعار ليس إلا نتيجة مباشرة لسياسات التدخل والوصاية. لقد أصبحت مطالب “ترس السودان” خط الدفاع الأول عن سيادة الأمة السودانية، وأداة ردع شعبية ناعمة لكنها قاسية، تفكك أوهام الهيمنة وتجبر الجار الشمالي على إعادة حساباته.
الوقت ينفد، وعلى السلطات المصرية أن تفهم جيداً أن أسلوب فرض الأمر الواقع والتعامل مع السودان كحديقة خلفية قد انتهى إلى غير رجعة. سيبقى الطريق مغلقاً وستظل خطوط الإنتاج معطلة، حتى ترفع القاهرة يدها بالكامل عن الشأن السوداني، وتتوقف عن الاقتشاش من أوجاع السودانيين ودعم الحرب على حساب دماء الشعب وسيادة أرضه.




