
عمار نجم الدين
لا يمكن رصد التكوين العسكري السوداني بمعزل عن مخاضاته البنيوية الأولى؛ فالمؤسسة لم تنبثق عن عقدٍ وطني جامع، بل تشكلت وفق “منطق السيطرة” الاستعماري الذي جعل من الإنسان أداةً للحرب وقرباناً للتوسع. فمنذ صدمة الغزو التركي–المصري عام 1821، أُرسيت دعائم قوة عسكرية انشطرت إلى مستويين متداخلين: “الباشبوزق” كقوة ضاربة وكيلة، و”الجهادية” كبنية نظامية قامت في جوهرها على “الاسترقاق المباشر”.
لكن الحقيقة الأكثر مرارة وتفكيكاً لسردية “النقاء الوطني”، هي أن تجار الرقيق من أمثال الزبير باشا والبلالي وعمورة لم يكونوا يعملون في فراغ؛ بل كان هناك دائماً “وكلاء محليون” من أبناء المناطق المستهدفة نفسها. هؤلاء الوكلاء ارتضوا دور “السماسرة” الذين يسترقون أبناء جلدتهم لرفد الجيوش الاستعمارية بالجهادية. إنها خيانة بنيوية ممتدة منذ عام 1821 وحتى عام 2026؛ حيث يقايض هؤلاء الوكلاء دماء إخوانهم بفتات موائد السادة، لضمان حظوة زائلة في تراتبية السلطة.
لقد مثل “الباشبوزق” أو “السناجق” الذراع الوكيلة للغزو، واليوم نرى أحفادهم الوظيفيين يؤدون الدور ذاته. بنيوياً، أسس هذا النموذج لانشطار اجتماعي وجغرافي حاد؛ قيادة تحتكرها “نخبة الوكالة” وجغرافيا الامتياز، وقاعدة قتالية عريضة من “الجهادية الجدد” الذين يُساقون للمحارق من مناطق الهامش. إننا أمام فرز بنيوي حول الجيش إلى إطار لإعادة إنتاج العبودية بأقنعة حديثة؛ حيث يرتبط موقع القيادة بالرمز الصقيل، بينما يظل الموت قدراً على أبناء المناطق الذين يبيعهم وكلاؤهم المحليون لآلة الدولة.
إن المشهد الذي يتصدره اليوم قائد بزي صقيل منضبط في الكرمك وخلفه جنود تآكلت ثيابهم، و يسيرون ( بشباشب ) هو “التجلي البصري” لهذه الصيرورة. الفارق هنا لا يكمن في بسالة الميدان، بل في التموضع داخل النسق؛ حيث يجسد الأول استمرارية القيادة الموروثة ابن تاجرة الرقيق و حفيد الباشبوزق ، ووكلاء المركز من عينة مالك عقار، ومحمد جلال هاشم، وحسن كبرون ، والكباشي، بينما يجسد الجنود استمرارية القوة المستعبدة التي تدفع ضريبة الدم ليبقى السادة على عروشهم.
إن معضلة الجيش السوداني ليست في الإصلاح التقني، بل في تفكيك “البنية الاسترقاقية للدولة ” التي تجعل من ابن الهامش بندقجياً مأمورا ومن وكيله سمساراً للدم، ومن نخبة المركز سيداً مطلقاً. هي رحلة ممتدة من “الرقيق” إلى “المواطنة المنقوصة”، لم يتغير فيها سوى التاريخ، وظلت البنية قابضة على خناقنا جميعاً.




