رأي

جبل مرة يواجه وباءً يهدد حياة الملايين

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

في صمتٍ ثقيل لا يسمعه العالم، يتمدد وباء جدري القرود داخل مناطق واسعة بجبل مرة، بينما يعيش السكان هناك واحدة من أخطر الأزمات الصحية والإنسانية في تاريخ الإقليم. فالمرض الذي بدأ محدوداً في بعض القرى النائية، أخذ يتوسع بصورة متسارعة وسط غياب الرعاية الصحية وانعدام الأدوية وشح الكوادر الطبية، الأمر الذي ينذر بكارثة قد تتجاوز حدود دارفور إذا استمر التجاهل الدولي لما يحدث.

المأساة في جبل مرة لا تكمن فقط في انتشار الفيروس، بل في البيئة التي وجد فيها فرصة مثالية للتفشي؛ مناطق معزولة، طرق وعرة، مستشفيات مغلقة، ونظام صحي منهار بالكامل بفعل سنوات الحرب الطويلة. هناك قرى كاملة تواجه المرض بلا أطباء، وبلا وسائل فحص، وبلا حتى الحد الأدنى من التوعية الصحية التي تمكن السكان من حماية أنفسهم أو التعامل مع المصابين.

ومع تزايد أعداد الإصابات بصورة يومية، تتصاعد المخاوف من تحول الوضع إلى انفجار صحي واسع، خاصة في ظل غياب التدخلات العاجلة من المنظمات الدولية العاملة في المجال الصحي والإنساني. إن استمرار هذا الصمت أمام وباء سريع الانتشار في منطقة تعاني أصلاً من النزوح والفقر وسوء التغذية، يمثل خطراً حقيقياً على حياة آلاف المدنيين، ويهدد بتحويل جبل مرة إلى بؤرة وبائية مفتوحة على كل الاحتمالات.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأوبئة لا تعترف بالحدود، وأن تجاهل أي بؤرة مرضية في منطقة معزولة قد يقود لاحقاً إلى أزمة أوسع يصعب احتواؤها. والعالم الذي تعلم دروساً قاسية من جائحة كورونا، مطالب اليوم بعدم تكرار أخطاء التأخر في الاستجابة، لأن تكلفة الانتظار غالباً ما تكون أكبر من تكلفة التدخل المبكر.

إن ما يحدث في جبل مرة يتطلب تحركاً عاجلاً من منظمة الصحة العالمية، والمنظمات الدولية والإقليمية العاملة في الحقل الصحي، عبر إرسال فرق طبية متخصصة، وتوفير الأدوية والمعدات الصحية ووسائل الفحص والعزل، إضافة إلى إطلاق حملات توعية واسعة وسط المجتمعات المحلية، وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية المتوقفة عن العمل.

كما أن الحاجة أصبحت ملحة لفتح ممرات إنسانية عاجلة تضمن وصول المساعدات الطبية إلى المناطق المتضررة، خاصة مع صعوبة الحركة وانعدام وسائل النقل في كثير من القرى الجبلية المعزولة. فترك السكان يواجهون المرض وحدهم في ظل هذه الظروف القاسية لا يمثل فقط فشلاً إنسانياً، بل تهديداً مباشراً للصحة العامة في السودان والمنطقة بأسرها.

إن جبل مرة اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطلب الحق في الحياة، والحق في العلاج، والحق في ألا يُترك الناس فرائس للمرض والعزلة والموت الصامت. وما لم يتحرك العالم سريعاً، فإن الوباء قد يتحول من أزمة صحية محلية إلى مأساة إنسانية كبرى سيدفع الجميع ثمن تجاهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!