
سمية النور دهب ،،دبلن
في لحظةٍ تختبر ما تبقى من إنسانية هذا العالم، جاءت فاجعة مستشفى الضعين لتكشف ليس فقط حجم المأساة، بل عمق الانحدار الأخلاقي لدى بعض من يتصدرون المشهد تحت لافتاتٍ سياسية ودينية فقدت معناها. فالمجزرة التي أودت بحياة عشرات المدنيين، بينهم أطفال ونساء وكوادر طبية، لم تكن مجرد حدثٍ عابر في سجل الحرب، بل كانت مرآة عاكسة لواقعٍ أكثر قتامة.
غير أن ما فاق بشاعة الجريمة ذاتها، كان ذلك التعليق الصادم والمنسوب لأحد الضباط المتقاعدين المنتمين للتيار الإسلاموي، والذي تعامل مع دماء الأطفال ببرودٍ لا يشبه البشر، فضلًا عن أن يشبه الشعب السوداني المعروف بعمق إنسانيته وتماسكه الأخلاقي. تعليق يكشف، بلا مواربة، عن طبيعة خطابٍ تبلد فيه الإحساس، وتآكلت فيه القيم حتى أصبح الموت مادة للسخرية.
هنا، لا يعود الحديث عن فردٍ بعينه، بل عن مدرسةٍ فكرية كاملة، طالما حذر منها المفكر الراحل محمود محمد طه حين قال إنهم “يفوقون سوء الظن العريض”، في توصيفٍ لم يكن مبالغة بقدر ما كان قراءة مبكرة لنتائج هذا المسار. كما يتردد صدى سؤال الأديب الكبير الطيب صالح: “من هؤلاء؟ ومن أين أتوا؟”، وكأنه سؤال يتجدد اليوم بإلحاح أكبر أمام مشاهد كهذه.
إن ما نشهده ليس انحرافًا طارئًا، بل امتداد طبيعي لخطابٍ قام على الإقصاء، وتغذّى على تبرير العنف، حتى فقد قدرته على التمييز بين الخصومة السياسية وحدود الإنسانية. وحين يصل الحال إلى حد السخرية من دماء الأطفال، فإننا نكون أمام انهيار كامل لمنظومة القيم، لا مجرد تجاوز أخلاقي عابر.
لقد ظل التيار الإسلاموي، في كثير من محطاته، يقدم نفسه بوصفه حارسًا للقيم، غير أن الواقع يكشف تناقضًا صارخًا بين الشعارات والممارسة. فالقيم لا تُقاس بالخطب، بل تُختبر في لحظات الألم الإنساني، حيث يظهر معدن الإنسان الحقيقي. وفي هذه اللحظة، سقط القناع.
إن خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في فظاعته، بل في الرسالة التي يحملها: تطبيع القسوة، وتبرير العنف، وتحويل المأساة إلى مادة للاستخفاف. وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي، ويعمّق جراحًا يصعب التئامها.
لكن، في مقابل هذا الانحدار، يبقى السؤال الأهم: هل يمثل هذا السلوك السودان؟ والإجابة، بكل وضوح، لا. فالسودان الذي عرفناه، والذي صمد رغم كل المحن، هو السودان الذي يبكي لألم الآخر، ويقف إلى جانب المكلوم، لا الذي يسخر من دموعه.
إن ما جرى في الضعين يجب أن يكون لحظة مراجعة حقيقية، ليس فقط للفاعلين في المشهد، بل للمجتمع بأسره. مراجعة تعيد الاعتبار للإنسان، وتضع حدًا لخطاب الكراهية، وتؤكد أن السياسة، مهما اشتدت، لا تبرر سقوط الضمير.
ختامًا، فإن الأمم لا تُهزم فقط بالحروب، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الصواب والخطأ، بين الإنسانية والقسوة. وما لم يُواجه هذا الانحدار الأخلاقي بحزم ووضوح، فإن الخسارة لن تكون في الأرواح فقط، بل في القيم التي تُبقي الأوطان حيّة.




