رأي

الجيش السوداني والإخوان المسلمون: الخلفيات الإقليمية وتداعياتها على مسار الحرب

عباس أحمد السخي

 

عباس احمد السخي 

نشر موقع (Africa intelligence) مقالا هاما في يوم ٢٤ مارس ٢٠٢٦ بعنوان (حكومة بورتسودان تجد نفسها في موقف حرج مع حلفائها الإقليميين)، حيث اشار المقال بصورة مبطنة إلى إمكانية إلغاء صفقة السلاح مع باكستان، تلك الصفقة المثيرة للجدل والتي مولتها أطراف إقليمية ظلت – دون وعي – تساند جيش الاخوان في السودان؛ تشير القراءة المتأنية للمقال الذي تناول وضع حكومة بورتسودان بقيادة البرهان إلى ما هو أبعد من مجرد توصيف لحالة توتر بين القيادة العسكرية السودانية وبعض حلفائها الإقليميين. فالمقال يلامس في جوهره إشكالية أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة التحالفات السياسية داخل معسكر الجيش، وبالانعكاسات الإقليمية لعودة نفوذ التيار الإسلامي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، إلى دوائر القرار العسكري والسياسي في السودان. هذه الإشكالية لا تؤثر فقط على صورة الجيش السوداني خارجيًا، بل تمتد آثارها لتعيد تشكيل موازين الحرب الجارية، وربما تساهم – بصورة غير مباشرة – في ترجيح الكفة لصالح قوات الدعم السريع.

أولاً: الخلفية التاريخية لتحالف الجيش مع الإسلاميين

لفهم دلالات ما أشار إليه المقال، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بين المؤسسة العسكرية السودانية والتيار الإسلامي. فمنذ انقلاب عام 1989 الذي قاده العميد آنذاك عمر البشير بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، تشكلت بنية معقدة من التداخل بين الجيش والأجهزة الأمنية والتنظيم الإسلامي. وعلى مدار ثلاثة عقود من حكم البشير، تم إعادة تشكيل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية بحيث أصبحت كلياً احدى شبكات الحركة الإسلامية.

وعلى الرغم من سقوط نظام البشير في عام 2019 تحت ضغط الثورة الشعبية، فإن هذه الشبكات ظلت ممسكة بالكامل بمؤسسات الدولة، وحاضرة بأعلى درجة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية. ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وجد الاخوان المسلمين في هذه الحرب فرصة لإعادة التموضع السياسي، عبر دعم الجيش وتقديم الحرب باعتبارها معركة وجود ضد خصوم داخليين وخارجيين.

هذه العودة الكلية للإسلاميين إلى المشهد العسكري والسياسي أصبحت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الداخل السوداني، كما تحولت إلى مصدر قلق متزايد لدى عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين.

ثانياً: البعد الإقليمي وقلق الحلفاء

في السياق الإقليمي، تشكل سيطرة الاخوان على مجريات الأمور في السودان عاملًا حساسًا في حسابات العديد من دول الشرق الأوسط، وخاصة بعض دول الخليج التي خاضت خلال العقد الماضي مواجهات سياسية وأمنية مع جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من ساحة. ولذلك فإن أي مؤشر على عودة نفوذ هذه الجماعة داخل مؤسسات دولة حليفة يثير حذرًا واضحًا لدى تلك الدول.

المقال يلمح إلى هذا البعد عندما يشير إلى أن استمرار حضور الإسلاميين الطاغي داخل معسكر الجيش السوداني يضعف ثقة بعض الحلفاء الإقليميين في قيادة البرهان. فالدعم العسكري والمالي الذي يحتاجه الجيش بشدة في ظل الحرب الحالية يرتبط إلى حد كبير بدرجة الثقة السياسية بين الأطراف المعنية. وكلما تصاعدت المخاوف من عودة الإسلاميين إلى مركز السلطة، تزايد التردد الإقليمي في تقديم دعم غير مشروط.

هذا التردد لا يعني بالضرورة تحول تلك الدول إلى دعم قوات الدعم السريع بشكل مباشر، لكنه قد يؤدي إلى تقليص مستوى الدعم المقدم للجيش أو تأجيل بعض الترتيبات العسكرية والمالية، وهو ما ينعكس مباشرة على توازن القوى في الميدان.

ثالثاً: أثر الارتباط بالإخوان على شرعية الجيش

على المستوى الداخلي، تسبب النفوذ المتزايدة للإخوان المسلمين داخل معسكر الجيش في إضعاف صورة المؤسسة العسكرية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني، خاصة القوى المدنية التي قادت الثورة ضد نظام البشير.

كما ان تتعزز الانطباعات بعودة الإسلاميين إلى المشهد عبر بوابة الحرب، فإن ذلك يخلق فجوة إضافية بين الجيش والقوى المدنية، ويقوض إمكانية بناء جبهة وطنية واسعة تدعمه.

هذا التآكل في الشرعية السياسية يمثل أحد التحديات الكبرى التي تواجه قيادة الجيش، لأن الحروب الحديثة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى شرعية سياسية واجتماعية توفر لها الدعم الشعبي والدبلوماسي.

رابعاً: كيف يمكن أن يستفيد الدعم السريع من هذه المعادلة؟

في المقابل، حاولت قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب تقديم نفسها – في خطابها السياسي والإعلامي – باعتبارها قوة تقاتل ضد عودة النظام الإسلامي القديم، حيث وجد هذا الخطاب صدى لدى بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي تخشى عودة الإسلاميين إلى السلطة في السودان.

وهنا تكمن المفارقة: فكلما تعززت الصورة التي تربط الجيش بالإخوان المسلمين، أصبح من الأسهل على قوات الدعم السريع (تأسيس) تسويق نفسها كبديل مثالي في نظر الفاعلين الخارجيين. هذه المعادلة لا تعني أن الدعم السريع يحظى بإجماع دولي أو إقليمي، لكنها تعني أن صورة الجيش الاخواني اصبحت ملطخة ولم تعد تتمتع بالوضوح الذي كان يمكن أن يمنحه أفضلية سياسية في الصراع.

كما أن أي تراجع في الدعم الخارجي للجيش – سواء في شكل مساعدات عسكرية أو غطاء دبلوماسي – يمكن أن يمنح قوات الدعم السريع مساحة أكبر للمناورة الميدانية والسياسية.

خامساً: تداعيات محتملة على مسار الحرب

إذا استمرت هذه المعادلة (دعم سريع / جيش الاخوان)، فقد تنعكس بعدة طرق على مسار الحرب في السودان. أول هذه التداعيات هو تسريع انهيار الجيش الاخواني امام التقدم المستمر لقوات الدعم السريع.

أما التداعية الثانية ان ترفع الأطراف الاقليمية الداعمة للجيش يدها صراحة عن ذلك بحجة نفوذ الاخوان، كما قد يدفع تزايد نفوذ التيارات الإسلامية الاخوانية داخل معسكر الجيش بعض الأطراف الدولية إلى التعامل بحذر أكبر مع أي ترتيبات انتقالية يقودها العسكريون.

إن ما يطرحه المقال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يعكس حقيقة أساسية مفادها أن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع عسكري بين قوتين مسلحتين، بل أصبحت أيضًا معركة حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها السياسي. وفي هذا السياق، فإن مسألة العلاقة بين الجيش السوداني والتيار الإسلامي تشكل أحد العوامل الحاسمة في تحديد مسار هذا الصراع.

كذلك، فإن استمرار نفوذ الإسلاميين قد يظل عاملًا يضعف قدرة على حشد الدعم الإقليمي والدولي، وهو ما ينعكس – بشكل مباشر أو غير مباشر – على موازين القوة في الحرب الدائرة، ويفتح المجال أمام الدعم السريع لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية أكبر علاوة على نفوذه الراهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!