حين يتحوّل الجيش إلى عقيدة… كيف اختُطِف القرار العسكري في السودان وأُعيد إنتاج الحرب باسم الدولة؟
التنوير تقرير ابو عبد الله الراشدي

التنوير تقرير ابو عبد الله الراشدي
جذور التداخل… من المؤسسة الوطنية إلى المشروع الأيديولوجي
منذ أواخر القرن الماضي، لم يعد الجيش السوداني مجرد مؤسسة عسكرية وطنية تُدار بعقيدة مهنية محايدة، بل دخل تدريجياً في مسار إعادة تشكيل عميق، أعاد تعريف دوره ووظيفته. هذا التحول لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل نتاج مشروع طويل الأمد، استهدف إعادة هندسة الدولة من داخل مؤسساتها الصلبة، وعلى رأسها القوات المسلحة.
مراقبون يرون أن ما جرى لم يكن مجرد “اختراق” تقليدي، بل عملية إحلال منهجي غيّرت طبيعة الجيش نفسه، بحيث لم يعد يمثل الدولة، بل أصبح في حالات كثيرة امتداداً لمنظومة سياسية ذات طابع أيديولوجي. هذه العملية، التي استمرت لعقود، أسست لبنية معقدة من الولاءات، يصعب تفكيكها بالوسائل التقليدية.
هندسة الولاء… كيف أُعيد تشكيل الجيش من الداخل
اعتمد المشروع الذي أعاد تشكيل المؤسسة العسكرية على آليات دقيقة، تبدأ من بوابة التجنيد ولا تنتهي عند قمة الهرم القيادي. تم تضييق فرص الانضمام أمام الكفاءات المستقلة، مقابل فتح المجال لعناصر ذات انتماء موثوق، ما أدى إلى خلق طبقة عسكرية جديدة تدين بالولاء لمنظومة فكرية قبل الدولة.
هذا التحول انعكس لاحقاً على طبيعة القرار العسكري، حيث أصبح خاضعاً لحسابات سياسية وأيديولوجية، بدلاً من أن يكون محكوماً بمعايير مهنية بحتة. ويشير مراقبون إلى أن هذه البنية لا يمكن فهمها باعتبارها حالة طارئة، بل كمنظومة متكاملة أعادت تعريف مفهوم “الجيش” نفسه.
ما بعد سقوط النظام… إعادة تدوير النفوذ
رغم التحولات السياسية التي شهدها السودان، فإن البنية التي تأسست داخل الجيش لم تتفكك، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. تم تغيير الواجهات، لكن الشبكات العميقة ظلت فاعلة، واستمرت في التأثير على مسار القرار.
هذا الاستمرار خلق حالة من “الازدواجية”، حيث تبدو المؤسسة العسكرية في ظاهرها جزءاً من مرحلة جديدة، بينما تعمل في عمقها وفق قواعد قديمة. ويؤكد مراقبون أن هذه المفارقة كانت أحد الأسباب الرئيسية لتعثر أي محاولة لإعادة بناء الدولة على أسس مدنية.
الحرب كفرصة… عودة التيار الأيديولوجي إلى الواجهة
مع اندلاع الحرب، تحولت الأزمة إلى فرصة لإعادة التموضع السياسي. فقد وجدت القوى المرتبطة بالمشروع القديم في الصراع العسكري مجالاً لإعادة تثبيت نفوذها، عبر تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود.
هذا الخطاب لم يكن موجهاً فقط إلى الداخل، بل أيضاً إلى الخارج، في محاولة لإعادة تعريف الصراع وفق سردية تخدم استمرار السيطرة على مفاصل الدولة. ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية ساهمت في تعقيد المشهد، وأطالت أمد النزاع.
ارتباك الحلفاء… حين تصبح الأيديولوجيا عبئاً إقليمياً
على المستوى الإقليمي، لم يعد المشهد السوداني يُقرأ بمعزل عن توازنات أوسع. فعودة نفوذ التيارات الأيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية أثارت مخاوف لدى عدد من الفاعلين الإقليميين، خاصة أولئك الذين خاضوا تجارب سابقة مع هذه التيارات.
هذا القلق انعكس في تراجع مستويات الثقة، وظهور تردد واضح في تقديم دعم غير مشروط. وتشير تحليلات مراقبين إلى أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تغييراً في التحالفات، لكنه يعكس إعادة تقييم عميقة لطبيعة الشراكة مع القيادة العسكرية.
شرعية متآكلة… الفجوة بين الجيش والمجتمع
داخلياً، أدى هذا التداخل بين المؤسسة العسكرية والمشروع الأيديولوجي إلى تآكل شرعية الجيش لدى قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة القوى المدنية.
فمع تصاعد الانطباع بأن الجيش لم يعد مؤسسة وطنية جامعة، بل طرفاً في صراع سياسي، تزايدت حالة النفور، واتسعت الفجوة بينه وبين الشارع. ويؤكد مراقبون أن هذا التآكل في الشرعية يمثل أحد أخطر التحديات، لأنه يضعف قدرة أي مؤسسة على إدارة صراع طويل.
اقتصاد الحرب… حين تتحول المؤسسة إلى فاعل اقتصادي
لم يقتصر التحول على الجانب السياسي والعسكري، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، حيث أصبحت المؤسسة العسكرية لاعباً رئيسياً في قطاعات حيوية.
هذا التمدد خلق شبكة مصالح معقدة، تربط بين السلطة العسكرية والموارد الاقتصادية، ما جعل أي محاولة للإصلاح تمثل تهديداً مباشراً لهذه المصالح. ويرى مراقبون أن هذا التشابك هو أحد الأسباب الرئيسية لرفض أي مسار إصلاحي حقيقي.
استراتيجيات الإطالة… لماذا تستمر الحرب؟
تشير قراءة معمقة لمسار الصراع إلى أن استمرار الحرب لا يرتبط فقط بالتوازنات العسكرية، بل أيضاً بحسابات سياسية داخلية. فبعض الأطراف ترى في استمرار النزاع وسيلة للحفاظ على نفوذها، أو إعادة تشكيل موقعها في أي تسوية مستقبلية.
هذا الواقع يفسر، بحسب مراقبين، تعثر مبادرات السلام، ورفض بعض الأطراف الانخراط الجاد في مفاوضات، إذ أن إنهاء الحرب قد يعني نهاية نفوذها السياسي.
معركة الصورة… كيف يُعاد تشكيل السردية
في الحروب الحديثة، لا تقل المعركة الإعلامية أهمية عن الميدان. وقد شهد الصراع السوداني محاولات متبادلة لإعادة تعريف الأطراف المتحاربة، وتقديم كل طرف نفسه بصورة تخدم مصالحه.
هذا الصراع على “السردية” لم يكن مجرد دعاية، بل أصبح جزءاً من المعركة السياسية، حيث تؤثر الصورة الذهنية على مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين. ويؤكد مراقبون أن هذه المعركة قد تكون حاسمة في تحديد مسار الصراع.
المستقبل المعلق… بين التفكيك وإعادة البناء
في ظل هذا التعقيد، يبدو أن مستقبل السودان مرهون بمدى القدرة على معالجة الجذور العميقة للأزمة، وليس فقط مظاهرها. فالمشكلة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في البنية التي أنتجت هذا الواقع.
تفكيك هذه البنية يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية شاملة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة، تضمن حيادها واستقلالها. ويشير مراقبون إلى أن أي تسوية لا تأخذ هذه المسألة في الاعتبار ستكون مجرد تأجيل للأزمة، وليس حلاً لها.
خلاصة التقرير
ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حرب بين قوتين مسلحتين، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها. فبينما تبدو المعركة في ظاهرها عسكرية، فإن جوهرها سياسي وأيديولوجي، يتعلق بمن يملك القرار، وكيف يُدار.
إن استمرار التداخل بين المؤسسة العسكرية والمشاريع الأيديولوجية، وتعقّد شبكة المصالح المرتبطة بها، يجعل من الصعب تصور نهاية قريبة للصراع، ما لم يتم التعامل مع جذور الأزمة بجرأة ووضوح.
وبحسب مراقبين، فإن أي رهان على إصلاح جزئي أو تسوية سطحية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة، وربما بشكل أكثر تعقيداً. أما الطريق الحقيقي نحو الاستقرار، فيمر عبر إعادة تعريف الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس جديدة، تعيد لها طابعها الوطني الجامع.
وما دون ذلك… ليس سوى دوران في حلقة الحرب.




