رأي

من كفاح الدم إلى هشاشة السلطة: مأساة التغيير

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من يزرع التضحيات لا يمكن أن يحصد الهشاشة

لقد خاض السودان عقودًا من الكفاح المسلح والنضال الوطني، حيث كانت قوات التحرر الوطني القلب الشجاع الذي واجه مليشيات جيش الفلول بدماء وبسالة منقطعة النظير، ورفدت مشروع التغيير بتضحيات جسام، لتضع حجر الأساس لفكرة دولة جديدة، قائمة على العدالة، والمشاركة، والحرية. هذه القوات لم تقدم دماءها عبثًا، بل أرست دعائم مشروع التأسيس الذي تميز بفهم معمّق لجذور الأزمة السودانية، مع وثيقة سياسية ودستور ومبادئ فوق دستورية خلقت منصة نظرية ومفاهيمية متقدمة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد، محاولة معالجة الانقسامات وإرساء رؤية واضحة لدولة المستقبل.

لكن المفارقة المرة تكمن في أن هذه التضحيات الجسام لم تجد ترجمة عملية على الأرض. فبين النظرية الفذة والإنجاز الميداني، تظهر فجوة كبيرة، تكشف هشاشة الممارسة السياسية مقارنة بالكفاح المسلح. ففي حين أن دماء الأبطال أسست مستقبلًا نظريًا واعدًا، فإن التطبيق العملي لم يرتقِ إلى مستوى التضحيات، وكأنه وقع ضحية أزمة الإدارة والخيال السياسي، فمشروع التأسيس، رغم قوته النظرية، ظل أسير مركزية قديمة، وانفراد القرار، وشللية تحد من قدرة أي تغيير حقيقي على الحدوث.

الرسائل والتفاعلات التي تلقيتها من القراء أكدت أن غياب المؤسسات الراسخة والمستقلة يمثل العائق الأكبر أمام نجاح المشروع. فبينما أُعدت المبادئ والنصوص كأدوات عملية للتحول، اصطدمت بواقع مليء بالشللية، والمركزية الضيقة، وعقلية الإدارة التي تربت على التحكم بالسلطة والولاءات الفردية. النتيجة أن التغيير، الذي من المفترض أن يكون قاعدة لحماية الدولة من الانحدار نحو الاستبداد، يبقى هشًا، معرضًا للانزلاق إلى أنماط قديمة من التحكم والاحتكار.

إن المقارنة بين الكفاح المسلح والكفاح الناعم تكشف بلا منازع عن التباين الحاد بين ما قدمته قوات التحرر الوطني وما تم تنفيذه على الأرض في الساحة السياسية. فدماء الشهداء أسست مشروعًا نظريًا متقدمًا، بينما ظل التنفيذ على الأرض ضعيفًا، محدودًا، ومفتقرًا إلى الخيال الإداري والسياسي الضروري لترجمة الرؤى النظرية إلى واقع ملموس يخاطب المواطنين ويغير حياتهم اليومية.

إحدى الملاحظات الجوهرية أن المشروع، رغم شعاراته وطموحاته، يكرر أخطاء المركزية القديمة تحت غطاء الحداثة. الانفراد بالقرار، والشللية، واختطاف المشهد لصالح نخبة محدودة، تجعل الجميع يتساءل: هل نعيد إنتاج الدولة القديمة تحت قناع جديد، أم أن هناك إمكانية لتجاوز الأخطاء وبناء دولة حقيقية ومستدامة؟

الجانب الإيجابي الواضح في الرسائل كان تأكيد وجود كوادر وطنية مخلصة، قادرة على ربط النظرية بالممارسة، وفهم جذور الأزمة، وضمان أن المشروع لا يتحول إلى شعارات جوفاء. هؤلاء الأفراد لديهم القدرة على تحويل المبادئ النظرية إلى واقع ملموس، يضمن مشاركة فعالة للشباب والنساء والمجتمع المدني، ويضع الدولة على مسار المؤسسات المستقلة والشفافة، بعيدًا عن الولاءات الفردية أو المركزية الضيقة

لكن النجاح الفعلي يحتاج إلى أكثر من مجرد كوادر مخلصة؛ فهو يتطلب مؤسسات قوية، مستقلة، شفافة، قادرة على فرض المساءلة وحماية الحقوق. بدون هذه المؤسسات، ستظل أي محاولة للتغيير معرضة للانحدار نحو إعادة إنتاج الهياكل القديمة، مهما كانت التضحيات التي قدمها الأبطال في ميادين الكفاح المسلح.

التاريخ السياسي السوداني يعلمنا درسًا واضحًا: الهدم أسهل من البناء، والفراغ الناتج عن انهيار الأنظمة غالبًا ما يُملأ بالفساد والانفعالات بدل المؤسسات. وهذا الدرس يتكرر اليوم مع مشروع التأسيس، الذي يحتاج إلى إعادة النظر في كيفية تحويل المبادئ النظرية إلى مؤسسات عملية، تبدأ من القاعدة، وتكتسب شرعيتها من القدرة على التمثيل الحقيقي والمساءلة، وليس من الانفراد بالقرار أو التحكم المركزي.

التحدي الأكبر إذن ليس إسقاط القديم، بل كيفية بناء الجديد على أسس راسخة ومستدامة. إن مشروع التأسيس، الذي استلهم قوته وشرعيته من دماء شهداء الكفاح الوطني، يجب أن يتحول إلى واقع ملموس يحمي المواطنين ويضمن ألا يعود الماضي ليخطف المستقبل باسم التغيير. الشللية والانفراد بالقرار يعرض المشروع للهشاشة، بينما الكوادر المؤهلة والمبدعة هي الضمانة الوحيدة لإعادة التأسيس على أسس سليمة، تكرم التضحيات وتحوّلها إلى مؤسسات قوية وفاعلة.

في النهاية، يبقى السؤال المحوري: هل السودان قادر على تحويل مشروع التأسيس من شعارات وكلمات إلى مؤسسات حقيقية؟ وهل ستنجح جهود قوات التحرر الوطني والكوادر المخلصة في سد الفجوة بين النظرية والتطبيق؟ الإجابة ليست في البيانات أو الورق، بل في قدرة المشروع على إنتاج دولة مؤسساتية، شفافة، عادلة، ومستدامة.

إن التاريخ لا يرحم الهشاشة، ولا ينسى من يهدر التضحيات. ومن يزرع التضحيات، خصوصًا دماء الأبطال، لا يمكن أن يحصد الهشاشة. مشروع التأسيس اليوم يحتاج لأن يكون الجسر بين دماء الشهداء وطموح المستقبل، ليصبح التغيير واقعًا ملموسًا، لا مجرد وهم يُعاش باسم الحداثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!