المرأة السُّودانية؛ درع الأسرة وقلب الحياة النابض، التي نسجت خيوط الأمل من رماد الحرب”
مهدي عبد الله حامد

مهدي عبد الله حامد
في غمرة الدخان الكثيف الذي غطى سماء الوطن، وفي عتمات الليالي التي تطاولت فوق أرضه معاناة ومحن، وحين صمتت كل الأصوات إلا عويل الريح وأصداء الرصاص، حيث بقيت هناك قامةٌ لا تنحني، وقلبٌ لم يعرف الترويض؛ إنها المرأة السُّودانية، التي لم تكن يومًا مجرد شاهدة على المأساة، بل كانت وما تزال هي “درع الأسرة” الذي تلقى طعنات الغربة والنزوح بصبرٍ أسطوري، و”قلب الحياة” الذي ضخّ الدفء في عروق بيوتٍ كادت أن تتجمد من الصدمة.
إليكِ يا من نسجتِ من رماد الحرائق خيوطاً للأمل، وجمعتِ شتات القلوب المنكسرة لتصنعي منها وطنًا صغيرًا داخل كل خيمة أو ركنٍ قصي، نزجي أعظم آيات الشكر والامتنان، شكرًا لأنكِ كنتِ الحائط الذي استندنا عليه حين تداعت الجدران، ولأنكِ حوّلتِ مرارة الفقد إلى طاقةٍ للبناء، وجعلتِ من دمعكِ وقودًا لصمود جيلٍ كامل، إن ما قدمتِه في أيام المحنة لم يكن مجرد تدبيرٍ للعيش، بل كان “إعلاناً للحياة” في وجه الفناء.
واليوم، ونحن نرقبُ في الأفق خيوط “الفجر الجديد”، فإننا لا نرى مستقبلاً مشرقاً إلا وأنتِ في صدارته؛ فأنتِ لستِ فقط من حمى الماضي، بل أنتِ مهندسة “العهد الجديد القادم” إن تطلعنا نحو سودانٍ آمن ومستقر، يبدأ من إيماننا بأن اليد التي لم تترك “المغزل” وسط العاصفة، هي ذاتها التي ستضع حجر الأساس في صرح النهضة القادم، فامضي أيتها الماجدة، الشامخة، الباسلة نحو غدكِ، مرفوعة الرأس، مُحاطةً بتقدير التاريخ، فالسُّودان الذي صمدتِ لأجله، ينتظر الآن أن يزهر تحت خطاكِ،
لقد كنتِ ايقونة الصمود في وجه صوت الرصاص ودوي المدافع، وفي ظل قصف الطيران الذي بات ضيفًا ثقيلاً جراء الحرب العبثية الغادرة التي أشعلها جيش الحركة الإسلامية الإرهابية، تنبثق صورة لا يخطئها القلب، امرأة سودانية تحزم ما تبقى من ذكرياتها في صرة صغيرة، وتحمل طفلها على كتفها، بينما تمسك باليد الأخرى خيط الأمل لأسرة بأكملها هي ليست مجرد ضحية للحرب، بل هي “صمام الأمان” الذي حال دون السقوط التام في هاوية الفوضى،
وفي وسط غبار تلك “الكتاتيح” التي عصفت ببلادنا، حين صار الأنين زادًا والنزوح طريقًا، حيثُ وقفت المرأة السودانية شامخة كجبل “الدائر” وصلبة كخشب “الأبنوس” لقد كانت هي “الدرقة” التي صدت سهام الجوع، و”المشلعيب” الذي حفظ بقايا الأمل من التلف، في بوادي “كردفان” الغرّة، وبين “تُكل” أمهاتنا، وفي دارفور حيث “خيام البوادي” تلك “أم عيال” التي تقود “الضعاين” نحو الأمان، ومسحنَ غبار “الدواس” عن جبين الوطن تداوي جراح “الفزع” وتطعم الجوعى من “مفراكة” كدّها وهي “الحكامة” التي تداوي جراح “الفرقة” وهي التي تسرج خيول الصبر في أوقات “الضيق والشدة” التي اختبرت معدننا، لكن نساءنا لم يهنَّ؛ بل هؤلاء الميارم نسجن من “خيوط البرش” المهترئ فجرًا جديدًا، ومن “رماد الحريق” صنعن “كُحل” التحدي.
وفي سهول “السلطنة الزرقاء وإقليم الفونج الجديد”، كانت هي التي “عجنت” من طين الصبر خبزًا لأطفالها، فكانت هي “قلب الحياة” الذي لم يتوقف نبضه رغم طعنات الغدر، لتمهد الطريق نحو مستقبلٍ مشرقٍ، يشرق فيه العدل كما تشرق شمس “كادقلي” فوق قمم تلك الجبال الراسية.
إذ أنْ الدور المُتعاظم الذي لعبته “المرأة” يتجاوز حدود الوصف؛ ففي جبال النوبة كانت هي “الكوكو” التي تحمي الأرض والعرض، لقد تجلت إنسانيتها في قدرتها العجيبة على تحويل “الضياع” إلى “لمّة”، وفي تحويل “الهجير” إلى “ضُلٍ وارف” بل كنّ “المهندسات” الحقيقيات للبقاء؛ فبينما كانت المدافع تدوي، كانت أناملهنّ تطرز ثياب الأمل، وتربي جيلاً لا يعرف الانكسار، حيث كن ميارم “جبل مرة” كن يحرثن الأرض ويحلبنّ الضرع، ونساء “وادي هور” يقطفن ثمار الأرض وما تجود به الإبل لإطعام الأسرة والأهل.
ففي منعرجات ومحطات ذلك الزمن القاسي وفي تلك الحظات الحرجة ، حينما أبادت نيران الحرب المستعرة الأخضر واليابس، وقفت المرأة السودانية كجبل “توتيل” الأشم، لا تُحنيها الرياح ولا تكسرها الشدائد، لقد كانت هي “الدرقة” التي احتمى بها الصغار، و”السُّكابة” التي سقت العطاشى من فيض صبرها، لقد كانت أيامٌ عِجاف، ذاقت فيها “أم جني” مرارة النزوح و”الهجج” من ديارها، وفارقت “قطاطي” الألفة و”جباريك” الخير، لكنها لم ترفع راية الاستسلام بعد، لقد غزلت هؤلاء النسوة من “عشم” اللقاء خيوطاً لفجرٍ جديد، بـ “فدعة” الأمل، إن ما مضى من وجع لم يكن إلا “تمحيصًا” لمعدنهنّ الأصيل، واليوم، ونحن نستشرف “الفجر الضوّى” وعهد البناء، نجدها هي “المرق” الذي يرفع سقف البيت الكبير.
فيا “حراير ” و”نوارات الشمال والشرق والوسط”، إن دوركنّ اليوم هو “النفير” الأكبر؛ فبيدكنّ نلمّ “شملنا” ونبني “قطاطينا” بالحب، ونزرع “بلداتنا” بالوئام، وإن غداً لناظره قريب، وهو فجرٌ لا يشبهه إلا ضحكة طفل في حضن أمه السودانية التي صنعت المعجزات من رماد الحريق.
لقد كنتن في مراكز النزوح المكتظة، وفي بيوت الاستضافة التي ضاقت بساكنيها، حيث برزت المرأة السودانية كـ “عمود فقري” لا يميل، هن اللواتي ينظمن “مطابخ التكايا” لإطعام الجائعين، وهن اللواتي يقمن بدور الطبيب والممرض في غياب المشافي، وهن اللواتي يحولن خيمة صغيرة إلى “وطن بديل” يفوح برائحة القهوة والألفة رغم ضجيج المدافع، هذا الدور ليس مجرد رعاية أسرية، بل هو فعل سياسي واجتماعي يحمي المجتمع من الانهيار والتآكل.
فلقد لفت هذا الصمود أنظار العالم؛ فالمنظمات الدولية لا ترى في المرأة السُّودانية اليوم “لاجئة” سلبية، بل تراها شريكاً استراتيجيًا في صناعة السلام، إنها هي التي ترفض خطاب الكراهية، وهي التي تصر على تعليم أبنائها في “مدارس النزوح” وهي التي تذكر الجميع بأن السودان باقٍ ما دامت “الكنداكة” تقبض على جمر الصبر.
وفي خضم هذا الوضع فقد جاء “تحالف تأسيس” باعترافه الصريح بعبقرية المرأة السودانية، مُتعهدًا بمنحها نسبة مئوية كبيرة من مقاعد السلطة والحكم في رؤيته التأسيسية، ليكون السودان القادم دولةً تُدار بعقل وقلب نصفها النابض، وفاءً لمن كانت بالأمس درعاً للوطن، ولتكون اليوم شريكةً في قيادة نهضته بصلاحيات كاملة وغير منقوصة، هي ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي إعلان سياسي وإنساني عميق يضع نصف المجتمع في قلب القيادة، ليكون هذا التحالف هو المرآة التي تعكس فخر المرأة السودانية بنفسها، والمنصة التي تضمن ألا يُصنع مستقبل السودان بعد اليوم بمعزل عن لمسة يديها وعقلها القيادي.
هن أمهات الشهداء حارسات البيوت حين يصبح الصبر وطن حيث غاب الأمان وبقيت “الأم” والحبوبة والزوجة والأخت والعمة والخالة والبنت، فهن اللاتي يعلمن على طمأنة صغارهن بأن صوت القذائف ليس إلا رعدًا عابرًا




