
إيلاف وداعة
في خضم التحولات العاصفة التي يعيشها السودان، يبرز خطاب الإسلامويين بوصفه أحد أبرز النماذج التي تكشف عن القوة الهائلة للدعاية السياسية وقدرتها على إعادة تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الإدراك العام. فلم يكن هذا الخطاب مجرد وسيلة للتواصل، بل أداة منظمة للتأثير والتعبئة، استطاعت عبرها هذه التيارات ترسيخ سرديات معقدة في وجدان المجتمع، رغم تناقضها مع كثير من الوقائع.
لقد اعتمد هذا الخطاب، على مدى سنوات، على ما يمكن وصفه بـ”الدعاية السوداء”، حيث يتم توظيف الدين والهوية لإضفاء مشروعية أخلاقية على صراعات ذات أبعاد سياسية، وتصويرها في إطار ثنائي مبسط بين حق وباطل. ففي سياقات متعددة، جرى تقديم الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة باعتبارها صراعًا دينيًا، وهو توصيف اختزل تعقيدات المشهد وأسهم في تعبئة واسعة كانت كلفتها البشرية باهظة.
وفي دارفور، أعيد إنتاج ذات الآلية، لكن هذه المرة عبر تأطير النزاع في قالب عرقي حاد، مما عمّق الانقسامات وأذكى نيران الصراع، في حين ظل الخطاب الدعائي يغض الطرف عن الجذور الحقيقية للأزمة. هذا النمط من التبسيط المخل لم يكن بريئًا، بل جاء في سياق استراتيجية تستهدف إعادة توجيه وعي الجماهير بعيدًا عن مساءلة السلطة ومحاسبتها.
كما برزت قدرة هذا الخطاب على إعادة تعريف الخصوم، حيث جرى تصوير القوى المدنية، في لحظات مفصلية، باعتبارها كيانات عميلة أو فاقدة للانتماء الوطني، وهو ما مهّد لتبرير العنف ضدها وتقويض الحاضنة الشعبية لأي مشروع تغيير. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى إدارة السرديات خلال الأزمات، عبر إطلاق تسميات وشعارات ذات حمولة عاطفية قوية، تسهم في تعبئة الجمهور وتوجيه مواقفه.
وتكمن خطورة هذه الدعاية في قدرتها على تجاوز حدود الإقناع التقليدي، لتصل إلى مرحلة إعادة تشكيل الإدراك ذاته، بحيث يصبح التضليل جزءًا من الوعي العام، ويغدو من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف. فهي لا تكتفي بعرض رواية بديلة، بل تعمل على إقصاء أي روايات أخرى، وخلق واقع موازٍ تتماهى معه قطاعات من المجتمع.
غير أن هذا الواقع يفرض تحديًا جوهريًا يتمثل في ضرورة بناء إعلام مهني مستقل، قادر على تفكيك هذه السرديات وكشف تناقضاتها، إلى جانب تعزيز الوعي النقدي لدى الجمهور. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول، حيث تتحدد مآلات الصراع ومستقبل البلاد.
إن مواجهة الدعاية السوداء لا تكون بالشعارات المضادة، بل بإرساء ثقافة الحقيقة، وتوسيع دوائر المعرفة، وتمكين المجتمع من أدوات الفهم والتحليل. وحده الوعي القادر على طرح الأسئلة، هو الذي يمكن أن يكسر دائرة التضليل، ويفتح الطريق نحو واقع أكثر عدالة وشفافية.




