حضن الوطن ::: القوات المشتركة بين مطرقة مشروع التغيير وسندان منطق دولة 56 . “الإفلاس الحضاري”
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
في كل مراحل الأزمة السودانية الممتدة، تكرّر مشهد واحد بأشكال مختلفة: قوى تنشأ بشعار التغيير، وتنتهي في خدمة المنظومة التي قامت أصلاً لمحاربتها. سواء خدمتها بصورة مباشرة، كما يفعل مناوي وجبريل و عقار وةغيرهم، مقابل حصص في معادلة حكم اللصوص، أو بصورة غير مباشرة، كما يفعل بعض أباطرة السودان القديم الذين تسلّلوا إلى داخل تحالف تأسيس، ويمارسون فيه جميع أساليب البلابسة والكيزان التي يدّعون محاربتها.
ما يجري اليوم في فلك “القوات المشتركة” التي يقودها مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم وحلفاؤهما ليس استثناءً تاريخياً، بل هو نمط متكرر يكشف بصورة صارخة عن هشاشة مشروع التغيير حين يُبنى على حسابات قبلية وشخصية لا على رؤية سياسية متجذّرة.
وُلدت لمحاربة دولة 56 فانتهت في حضنها
نشأت حركات دارفور المسلحة — في معظمها — على أرضية صراع حقيقي وعادل. صراع ضد دولة مركزية عنصرية ظلّت تنهب موارد الأطراف وتُهمّش أبناءها وتُفرّغ حقوقهم في المواطنة الكاملة لصالح نخبة الخرطوم الضيقة. وكان مشروع “السودان الجديد” — بأبعاده المتعلقة بالتحول نحو دولة المواطنة والتوزيع العادل للسلطة والثروة — هو الإطار الأخلاقي والسياسي الذي منح هذه الحركات شرعيتها التاريخية وقدرتها على التحشيد.
لكن الانحياز الذي أعلنته هذه القوات بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب في أبريل 2023 كشف عن حقيقة مؤلمة و صادمة: أن جزءاً من هذه القيادات لم يكن يحمل مشروع التغيير إيماناً راسخاً به، بل كان يوظّفه رافعةً للوصول إلى موقع في معادلة الحكم ذاتها التي رفعت شعار محاربتها.
فحين وجدت نفسها أمام فرصة العودة إلى “حضن الوطن” — أي حضن المؤسسة العسكرية التي كانت تحارب مشروعها — لم تتردد، بل أعادت توظيف خطابها الكفاحي القديم في خدمة الدعاية الحربية للنظام الذي أنتج أصلاً كل هذه الفوضى والحروب.
نخب الحركات والحسابات القبلية: حين يتحوّل المظلوم إلى أداة هيمنة
من أكثر الحقائق إيلاماً في هذا المشهد أن قوات مناوي وجبريل إبراهيم كانتا توظّفان خطاب “السودان الجديد” غطاءً أخلاقياً للتحشيد، بينما كانت الممارسة الفعلية على الأرض تكشف عن توجه مغاير. فما يمكن رصده من سلوك هذه القيادات منذ تأسيسها من الاستئثار بالمواقع القيادية و بعائدات المناجم، وإقصاء القبائل الأخرى من الموارد و صنع القرار، بمنطق المغنم لا بمنطق الحوكمة — يكشف أن المشروع المُعلن عن بناء دولة المواطنة لم يكن سوى خطاب للتعبئة. الهدف الفعلي لم يكن بناء دولة تتجاوز المنطق القبلي، بل إحلال هيمنة قبلية محل هيمنة قبلية أخرى — وهذا بالضبط ما يُكرّر نمط الدولة القديمة ذاتها التي قامت هذه الحركات بزعم محاربتها.
فحين انحازت قوات الدعم السريع لمشروع التغيير — بصرف النظر عن مدى تصديقك ذلك الانحياز أو توظيفه تكتيكياً — وجدت هذه القيادات نفسها في مواجهة معادلة صعبة:
الاستمرار في خط التغيير يعني قبول شريك لا تريده، لانه يرفض منطق الهيمنة القبلية المضادة، والتراجع يعني العودة إلى حضن المنظومة التي تعاملوا معها لعقود بوصفها عدوهم الوجودي. فاختار أكثرهم العودة، وأعادوا تعريف أنفسهم كحماة للوطن في مواجهة “الجنجويد” — وهو خطاب يتطابق في جوهره عن الدعاية الحربية التي تُنتجها بورتسودان يومياً.
شبكة المليشيات: الوجهان لمشروع واحد
لا يمكن فهم ديناميكيات هذا الصراع دون فهم طبيعة المنظومة المليشياتية التي أنشأتها دولة الإنقاذ على مدى ثلاثة عقود و ما قبلها، وما يُضيء هذا الفهم هو الكشف عن الوظيفة الجامعة التي ربطت بين أنواع المليشيات المتباينة، بصرف النظر عن انتماءاتها الإثنية ومصادر تمويلها.
هذه المليشيات لم تكن تعبيراً عفوياً عن نزاعات قبلية، بل كانت أدوات مُصنَّعة بعناية في مصانع الاستخبارات العسكرية السودانية، تجمع بين نوعين:
الأول: مليشيات قبلية عربية من البادية — سُمّيت لاحقاً بالجنجويد ثم نُظِّمت في قوات الدعم السريع — كانت تُوظَّف أداةً لإفراغ المناطق ذات الكثافة الأفريقية من سكانها، في إطار مشروع إعادة الهندسة الديموغرافية الموثَّق في كتاب “الأبارتهايد المُقنَّع”.
الثاني: مليشيات ذات مكوّنات أفريقية، كمليشيات الدفاع الشعبي ومليشيات مصطفى طمبور التي أسستها الاستخبارات العسكرية، وهي في جوهرها امتداد للمليشيات التي أنُشِئت في جنوب السودان السابق — كمليشيات عبد الباقي أيي وكلمنت واني وفاولينو ماتيب وسواهم. هذه المليشيات لم تُوجَّه لمقاتلة الدولة، بل للعمل داخل بنيتها: لتفتيت الجبهة الداخلية لحركات المقاومة المسلحة، ولمنع تحوّلها إلى مشروع سياسي متماسك.
ما يجمع هذه الأدوات المتنوعة رغم تبايُن انتماءاتها — وهذا هو المفتاح التحليلي — هو الوظيفة الواحدة: وقف تنفيذ مشروع السودان الجديد وإعادة إنتاج المعادلة القديمة تحت أغلفة متجددة. والقوات المشتركة اليوم، حين تُوظَّف في هذا الصراع، تؤدي — المؤسف أنها تدرك ذلك — الوظيفة ذاتها التي أدّتها تلك المليشيات من قبل.
عودة المنشق: حضن الوطن أم حضن المشروع الدموي؟
تكشف الخلافات الأخيرة التي أشعلتها عودة النور القبة المنشق من قوات الدعم السريع إلى “حضن الوطن” عن حقيقة ساطعة: أن هذا الحضن ليس حضن الوطن، بل هو حضن المشروع الأيديولوجي المحدد الذي تُمثّله بورتسودان — مشروع نهب و سرقة ثروات السودان تحت لافتة دولة السودان العربية الإسلامية.
فالترحيب الفوري الذي وجده القبة، و كل من يعود من الدعم السريع، بصرف النظر عن ماضيه أو تصريحاته السابقة، لا يعكس سماحة وطنية، بل هو استثمار استراتيجي: استمرار في استنزاف أبناء الأطراف لحماية منظومة النهب المُهيمنة في الخرطوم. كل عائد يُوظَّف في منظومة الدعاية الحربية، ويُضاف إلى قوائم الذين “استفاقوا من الضلال” — حسب زعم اللصوص، وذلك كله لخدمة رواية واحدة: أن الحرب حرب على الجنجويد، لا حرب على السودانيين وهويتهم وتاريخهم المشترك. بل حرب على مستقبلهم و فرص عيشهم المشترك.
أما التراشق الإعلامي المتصاعد بين القوات المشتركة والجيش، فلا يُمثّل خلافاً استراتيجياً حقيقياً على رؤية الدولة، بل هو في جوهره صراع على الحصص والأدوار داخل نفس المنظومة. وهذا الصراع الداخلي هو ما يُدخل أبناء القوات المشتركة الأبرياء في متاهة جديدة — تستهلكهم وتستهلك طاقة الشعب السوداني، وتصرفه عن السؤال الجوهري: لصالح من تُخاض هذه الحرب من الأساس؟
الأبارتهايد المُقنَّع: التسمية الحقيقية للمشروع دولة 56 الكيزانية
ما وثّقه كتاب “الأبارتهايد المُقنَّع” من تفاصيل هذا المشروع الدموي يُقدّم المفتاح التحليلي الأنسب لفهم ما يجري: ليست الحرب في السودان حرب قبائل أو صراع نفوذ عادي، بل هي مشروع ممنهج لإعادة هندسة التركيبة البشرية والثقافية في السودان كله، يستخدم العداء المصنوع باسم العروبة والإسلام ستاراً لنهب الثروات وإفراغ الأرض من أهلها عرباً و أفارقة.
المفارقة المُرّة أن أبناء هذه الأرض أنفسهم — ممن كانوا يحملون راية التغيير — باتوا اليوم يُردّدون دعاية هذا المشروع، ويُضيفون إليه شرعيةً مستمدة من مظلوميتهم التاريخية التي كان ينبغي أن تجعلهم أكثر الناس وعياً بمن ظلمهم ولماذا.
تحالف تأسيس: السؤال الذي لا يحتمل التأجيل
يستدعي ما سبق توجيه خطاب مباشر إلى تحالف تأسيس، لأنه — في ما يخص هذه المقال — الطرف الأكثر قدرة على تصحيح المسار، والأكثر مساءلةً إذا لم يفعل.
إن تشكل مشاريع الهيمنة القبلية وإنتاج منظومات الفساد التي تتكشّف “تباعا” داخل التحالف وفي مناطق سيطرة قواته، لم يعد أمراً هامشياً قابلاً للتجاهل أو التسامح معه دون أن يكون ذلك تواطؤاً صريحاً. فإذا كان التحالف يدّعي حمل مشروع السودان الجديد، فعليه أن يُجيب: هل يقبل في داخله من يُمارس منطق الدولة القديمة التي يزعم محاربتها؟
السؤال ليس ترفاً نقدياً — بل هو شرط وجود. لأن التغيير الحقيقي لن يأتي ممن يُغيّرون الأغلفة ويُبقون المضمون، بل سيأتي ممن يفهمون أن الانحياز لمشروع السودان الجديد ليس خطاباً يُرفع في المنابر، بل هو ممارسة يومية تبدأ من إدارة المنطقة والمورد والسلاح — قبل أن تصل إلى إدارة الدولة.
التاريخ لن يرحم
في نهاية المطاف، التاريخ لن يُعامل مناوي وجبريل وأمثالهما باعتبارهم مناضلين دارفوريين انتصروا لوطنهم. التاريخ سيُسجّل أنهم كانوا يملكون فرصة نادرة لأن يكونوا جزءاً من مشروع تحرري حقيقي، فاختاروا بدلاً من ذلك أن يُعيدوا إنتاج المنظومة التي أنتجت مأساتهم في المقام الأول.
وسيُسجّل أيضاً أن الشعب السوداني — بأطرافه المُقصاة وأقاليمه المنهوبة — دفع الثمن مرتين: مرة من الجلابة الأصليين الذين بنوا دولة 56 على إقصائه، ومرة من “الجلابة الجدد” الذين استخدموا قضيته جسراً للوصول إلى حصصهم في منظومة حكم اللصوص.
التغيير الحقيقي لن يأتي من هؤلاء ولا من أمثالهم. سيأتي من الذين يفهمون أن بناء السودان الجديد يستلزم القطيعة الكاملة مع منطق الهيمنة — أياً كانت هوية من يمارسها وأياً كان الغطاء الذي يرفعه.
مركز السودان الجديد للدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية — المملكة المتحدة




