
زينب حسن سعيد
الرصاصة قد تهدم مدرسة، ولكن المنهج التعليمي المُسيَّس يهدم أمة بأكملها.
اليوم، وبينما تتحسر أنظار العالم على المدارس السودانية التي تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز إيواء للنازحين في ظل حرب طاحنة، يغيب عن الأذهان أن التعليم في السودان كان ساحة لحرب أخرى أطول وأكثر صمتاً؛ حرب شُنت على عقول الأجيال. لم تكن المناهج الدراسية في بلادنا يوماً مجرد كتب تُحمل في الحقائب المدرسية، بل كانت “وثائق سياسية” خطيرة، وأدوات هندسة اجتماعية استخدمتها الحكومات المتعاقبة لترسيخ سلطتها وإقصاء خصومها، مما جعل الفصل الدراسي هو خط المواجهة الأول في أزمات السودان المتلاحقة.
تاريخ من سرقة الهوية
منذ الاستعمار الثنائي الذي استخدم بيداغوجيا “فرّق تسُد” وزرع بذور الانقسام بين شمال وجنوب، وصولاً إلى حكومات ما بعد الاستقلال، كانت المناهج هي الضحية الأولى. بدلاً من أن تستخدم النخب الوطنية التعليم كجسر يربط بين مكونات دولة شاسعة ومتعددة الإثنيات، اختارت قسراً فرض هوية أحادية ضيقة. كانت النتيجة الحتمية شعور قطاعات واسعة من السودانيين بالاغتراب داخل فصولهم الدراسية؛ فالتهميش الثقافي في المنهج كان دائماً الوقود الذي أشعل نيران الحروب الأهلية.
لكن الكارثة الكبرى تجلت في أوجها خلال العقود الثلاثة الماضية. تحت شعار “ثورة التعليم”، لم يتم تحديث المدارس، بل تم تحويلها إلى معسكرات للتعبئة الأيديولوجية. صُممت المقررات، بدءاً من قوانين 2001 وحتى الوثيقة الكارثية لعام 2013، بهدف واحد: صناعة “العقل المطيع”. تم اغتيال التفكير النقدي عمداً، وحل مكانه التلقين الأعمى. كانت السلطة تخشى العقل الذي يسأل ويحلل، فاستبدلته بمنهج يُمجد سردية الحاكم، ويطمس التنوع العرقي والديني العظيم للسودان.
الفاتورة الباهظة: ماذا خسرنا؟
لم ندفع ثمن هذا التلاعب من جودة التعليم فحسب، بل دفعناه من دماء واستقرار السودان. لقد أدى تسييس التعليم إلى:
تمزيق النسيج الاجتماعي: عندما لا يرى الطالب في دارفور أو جبال النوبة أو الشرق ملامح ثقافته وتاريخه في الكتاب المدرسي، فإنه يكبر وهو يشعر أن الدولة لا تعترف بوجوده.
إفقار العقول والاقتصاد: رُبط التعليم بالولاء السياسي، فعُزل السودان عن ركب التطور التكنولوجي والأكاديمي العالمي، ووجهت أموال الدولة للأمن بينما تُركت المدارس تنهار وتتصدع.
إجهاض الديمقراطية: العقل الذي يتربى على التلقين في المدرسة، يسهل قيادته بالاستبداد في الشارع.
طوق النجاة: التعليم كأولى جبهات التحرر الوطني
إن أي حديث عن إنهاء الحرب الحالية أو بناء مسار وطني شامل ومستدام، سيكون مجرد حبر على ورق إذا لم يبدأ بتطهير المناهج الدراسية. إننا لا نحتاج إلى ترميم المدارس فحسب، بل إلى ثورة حقيقية في فلسفة التعليم، تقوم على الركائز التالية:
تحرير التعليم من قبضة الساسة: يجب انتزاع المناهج من أيدي السلطة التنفيذية، وتأسيس “مفوضية قومية مستقلة للتعليم” يديرها الخبراء التربويون لا الوزراء، لضمان حماية عقول أطفالنا من أمزجة الحكومات المتعاقبة.
المنهج كمرآة للسودان كله: يجب إقرار مناهج لامركزية؛ بحيث يدرس الطالب منهجاً قومياً يجمعنا في العلوم واللغات، إلى جانب مساحة محلية تحتفي بتاريخ وثقافة ولغة إقليمه، لنحول التنوع من سبب للاحتراب إلى مصدر للفخر.
إحياء العقل الناقد: يجب أن نعلم أبناءنا “كيف يفكرون” لا “ماذا يحفظون”. إدخال التربية المدنية، وحقوق الإنسان، ومهارات التحليل هي خط الدفاع الأول ضد عودة الشمولية.
الخلاصة
لقد كانت المدارس في الماضي مصانع لإعادة إنتاج الأزمات والاستبداد. واليوم، ونحن نقف على أنقاض الوطن، يجب أن يكون القرار حاسماً: بناء سودان الغد يبدأ من الصفحة الأولى في كتاب المدرسة. إن لم نكسب معركة المناهج، فلن نكسب معركة الوطن.



