رأي

​السودانويّةُ كمخرجٍ للفنون: تفكيك “الأبوية الثقافية” وإعادة الاعتبار للتعدد الموسيقي ​

مليح يعقوب حماد

 

​ مليح يعقوب حماد

باحث في إدارة التنوع

​تأتي هذه المقاربة لتسليط الضوء على قضية جوهرية في “سوسيولوجيا الفن” السوداني، وهي “المركزية الثقافية” وما ترتب عليها من إقصاء للهوية الموسيقية التعددية. فلقد ظلت لجنة إجازة الأصوات والألحان بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون —منذ تأسيس إذاعة أم درمان عام 1940— تمارس نوعاً من الوصاية الفنية والأبوية الثقافية، عبر إلزام المبدعين بأداء “أغنية من الحقيبة” كشرطٍ قسري لنيل الاعتراف الرسمي وإجازة الصوت.

​إن هذا الإجراء الإداري يمثّل ضرباً من ضروب “التنميط الوجداني” وتعدياً صريحاً على حرية الإبداع؛ إذ أُجبر الفنانون على “المحاكاة النمطية” لغناء الوسط كبوابة وحيدة للشرعية الفنية. ولم ينكسر هذا القيد الصارم إلا بظهور تقنيات “الكاسيت”، التي فرضت واقعاً ثقافياً جديداً كسر احتكار الدولة للذائقة والوجدان.

​ديمقراطية الشريط: كيف هزم “الكاسيت” مقص الرقيب؟

​مثّلت نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لحظة فارقة في التاريخ الموسيقي السوداني، وكان بطلها “شريط الكاسيت”. فبينما كانت أروقة الإذاعة (المركز) تشيّد المتاريس أمام أي نمط موسيقي لا يتسق مع “مزاجها”، فتحت شركات الإنتاج الفني (مثل: حصاد، والبدوي، والسناري، والروماني) آفاقاً رحبة للمبدعين من الأقاليم والهوامش.

​لقد لعب الكاسيت دور “المحرر الثقافي”؛ فبفضل سهولة إنتاجه وتوزيعه، تجاوز الفنانون سلطة “لجنة الإذاعة” التقليدية، واتجهوا مباشرة نحو قاعدتهم الجماهيرية. هذا الواقع هو الذي سمح لمبدعي الهامش السوداني بأن ينقلوا إيقاعاتهم إلى الفضاء القومي؛ حيث شكّل لجوء المبدعين إلى لجنة الأصوات والألحان التابعة لـ “مجلس المصنفات الأدبية والفنية” تحولاً مؤسسياً مهماً؛ إذ أتاحت لهم إجازة أصواتهم وأشعارهم وألحانهم بـ “اللغة الأم” التي تنسجم مع تركيبتهم الوجدانية، بعيداً عن صرامة قوالب الإذاعة القومية. هذا التدفق الموسيقي الذي غزا البيوت والمواصلات العامة، أعلن رسمياً فشل سياسة “النمذجة القسرية”.

​عسكرة الإيقاع واحتكار “لغة الفروسية”

​تتجلى الأخطاء الاستراتيجية للدولة في المهرجانات الرسمية، وعلى رأسها “مهرجان الإبداع العسكري”. ففي فقرة التنافس على “الأغنية الحماسية”، تُحصر المنافسة غالباً في إيقاع “السيرة” ومشتقاته، في إقصاء بنيوي لبقية إيقاعات الحماس السودانية الزاخرة في وجدان الأمة.

​إن محاولة توحيد “الوجدان الشعبي” على إيقاعات محددة دون الأخرى يخصم من رصيد التنوع اللغوي والموسيقي الذي يزخر به السودان، ويُعدُّ تجاوزاً صريحاً لبقية الأنماط في بلد يزخر بمئات المكونات الإثنية، لكل منها “شفرتها الإيقاعية” التي تشكل ذاكرتها الجمعية. وتستمر المؤسسات الرسمية في توظيف آليات “السيادة الثقافية” لتعليب الهوية وفق المحاور التالية:

​إيقاعات الدولة مقابل إيقاعات المجتمع: في الأنظمة المركزية، تُحوّل عناصر ثقافية محددة إلى “معايير وطنية” وحيدة. فرض “السيرة” كرمزية للحماس، وأغنيات الوسط والحقيبة كرمزية للجمال، هو إعلان سياسي بأن “الهويّة الموسيقية للدولة” يجب أن تمر عبر قنوات ثقافية منتقاة، مما يجعل الأنماط الأخرى غريبة عن العقيدة الوجدانية الرسمية.

​الاغتراب الوجداني والتطور غير المتكافئ: عندما يُطالب إنسان الأطراف بالتعبير عن انتمائه عبر إيقاع لا يشبه بيئته، يحدث “اغتراب ثقافي”. الدولة هنا تستدعي “جسد” المواطن للذود عنها، لكنها تنكر عليه “خصوصية وجدانه”. هذا الاحتكار أدى لتطوير “أغنية الوسط” تقنياً بفضل الدعم الحكومي، من الحقيبة إلى الأغنية الحديثة، بينما تُترك بقية الإيقاعات للموت السريري تحت دعاوى أنها “فنون بدائية”.

​جيوسياسية النغم ( وهم “التراث” وإخراج الأطراف من التاريخ):

​من الأخطاء الفادحة تصنيف غناء الوسط كـ “فن حديث” وما سواه كـ “تراث”. هذا التصنيف هو تصنيف “جيوسياسي” لا علاقة له بالمعايير الموسيقية العلمية؛ فالحداثة تتحدد بالتجديد البنائي والنصي، لا بموقع الولادة الجغرافي. إن إيقاعات مثل “المردوم”، “الجراري”، “الكمبلا”، و”الوازا” هي قوالب حية ومعاصرة، وحصرها في خانة “الفولكلور” الجامد هو محاولة غير واعية لإخراج تلك المجتمعات من “سياق التاريخ”؛ وهي نظرة استعلائية تعيق بناء وجدان وطني مشترك.

​السودانوية كمخرج: نحو “دستورية ثقافية” وعقد اجتماعي جديد

​إن إنصاف الأنماط الموسيقية السودانية كافة هو ركيزة أساسية لمشروع “السودانوية” الذي يسعى لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، ويتطلب ذلك خطوات عملية:

​تفكيك المركزية الثقافية: الاعتراف بالقيمة الإبداعية والحداثية لكل المكونات (من “النقارة” و”الكرنق” إلى “الكش” و”أب قزّة”) ومساواتها بـ “الحقيبة”.

​الدستورية الثقافية: حماية التنوع الثقافي كحق أصيل من حقوق المواطنة، وتضمينه في السياسات التعليمية والإعلامية والسيادة الوطنية.

​تحطيم “الجيتوهات” الفنية: التوقف عن حصر مبدعي الأقاليم في زاوية “الفنون الشعبية”، والاحتفاء بهم كرواد للحداثة الموسيقية الشاملة.

​ملاحظة لا بد منها: إن حديثنا عن “السيرة” و”الحقيبة” و”أغنية الوسط” لا ينقص شيئاً من قدرها، فقد تمردت هي الأخرى على سياسات المركز منذ وهلتها الأولى؛ حيث تغنى شعراؤها للوحدة والجمال والسلام والحرية. فنحن لا نطعن فيها، بل نطعن في “أخلاق الدولة” التي سمحت لها بالنمو والازدهار على حساب الأغنيات الأخرى.

​خاتمة:

​إن تجاوز “التنميط الثقافي” هو المدخل الحقيقي لبناء وجدان سوداني معافى وموحد. إن مشروع “السودانوية” كفلسفة احتواء واعتراف، كفيلٌ بتحويل المهرجانات من منصات للأحادية إلى “كرنفالات للتعدد” تتبارى فيها كل الإيقاعات بندية كاملة. هذا التعدد هو الضامن الوحيد للوحدة الطوعية، وإثراء المخيلة السودانية، وتقديمها للعالم بثوب يعكس حقيقتنا المدهشة والمتنوعة.

​المراجع والمصادر:

​د. منصور خالد، السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام.

​الفاتح الطاهر، أنا هُنا: تاريخ الموسيقى والغناء في السودان، الخرطوم، 1993.

​أرثر سيمون (Artur Simon)، أبحاث في الموسيقى العرقية السودانية (Ethnomusicology of the Sudan)، برلين، 1980.

​قانون مجلس المصنفات الأدبية والفنية السوداني لعام 1996 وتعديلاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!