رأي

أسامة حسن حسين… حين يغتال الرصاصُ الجسد وتبقى الفكرةُ حيّةً في ضمير الوطن 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

فالوحشُ يقتلُ ثائرًا… والأرضُ تنبتُ ألفَ ثائر

يا كبرياءَ الجرح! لو متنا لحاربت المقابر

فملاحمُ الدم في ترابكِ… مالها فينا أواخر

بهذه الكلمات التي تُشبه نداء الأرض حين تُثخن بالجراح، نبدأ وداعنا لفارسٍ لم يكن عابرًا في زمنه، بل كان زمنًا قائمًا بذاته… الأستاذ الشاب أسامة حسن حسين، عضو الهيئة القيادية بتحالف السودان التأسيسي، الذي اغتالته مسيّرة غادرة تتبع لجيش الفلول الإسلاموي البغيض، ذلك الجيش الذي ما فتئ يستهدف المدنيين ويغتال الحياة في تفاصيلها اليومية، غير آبهٍ بحرمة إنسانٍ ولا قدسية وطن.

لم يكن استشهاد أسامة مجرد حادثةٍ عابرة في سجل العنف الممتد، بل كان لحظةً كاشفة، تختصر مأساة وطنٍ يُستهدف فيه أفضل أبنائه، وتُغتال فيه القيم في وضح النهار. فقدت الساحة السودانية برحيله واحدًا من أميز قادتها الشباب، وفقد تحالف السودان التأسيسي عقلًا سياسيًا نادرًا، وقلبًا نابضًا بالقضية، وصوتًا صادقًا لا يعرف المواربة.

أسامة… ذلك الشاب المخضرم، الذي جمع بين نضج التجربة ووهج الحلم، لم يكن مجرد قيادي في تحالفٍ سياسي، بل كان روحًا تسري في جسد النضال، وعقلًا يفكر بعمق، ورجلًا عمليًا يعرف أن السياسة ليست ترفًا فكريًا، بل مسؤولية تُقاس بمدى ما تُحدثه من أثر في حياة الناس. كان سياسيًا حصيفًا، يزن كلماته بميزان الحكمة، ويقرأ الواقع بعينٍ نافذة، ويُدرك تعقيدات المشهد السوداني دون أن يقع أسيرًا لها.

في حضوره، كنت ترى ملامح القائد الذي لا يُصطنع؛ هدوءٌ يسبق العاصفة، وابتسامةٌ تُخفي خلفها إرادةً صلبة، وعينان تقرآن ما وراء السطور. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُسمعوا، بل من الذين يُنصت إليهم الناس لأنهم يقولون ما يستحق أن يُسمع. كان يفكر بعمق، ويحلل بوعي، ويتخذ مواقفه على أرضيةٍ صلبة من الفهم والإدراك، لا على انفعالات اللحظة أو ضجيج الشعارات.

غير أن أعظم ما ميّزه لم يكن فقط ذكاؤه السياسي، بل إنسانيته العميقة. كان حسن الخلق، دمث الطبع، طيب المعشر، قريبًا من الناس، يأنسون به كما يثقون فيه. لم يكن بينه وبين البسطاء حواجز، ولا بينه وبين رفاقه تكلف، بل كان واحدًا منهم، يحمل همّهم، ويصغي إلى وجعهم، ويجعل من قضاياهم أولويته الأولى. كان صادقًا، والصدق في زمن الزيف بطولة؛ صادقًا في قوله، صادقًا في مواقفه، صادقًا في انحيازه لمن لا صوت لهم.

وقد كان، بحق، مثالًا للقائد الذي يجمع بين قوة العزيمة ورجاحة الرأي. لم تهزه العواصف، ولم تُربكه الأزمات، بل كان ثابتًا، رابط الجأش، يمضي في طريقه بإيمانٍ عميق أن التغيير لا يُمنح، بل يُنتزع بالصبر والعمل والتضحيات. كان يؤمن أن الوطن أكبر من الأفراد، وأن القضايا العادلة تحتاج رجالًا لا يتراجعون عند أول اختبار، ولا ينكسرون أمام أول هزيمة.

وإذا كان “تشي جيفارا” قد صار رمزًا عالميًا للثائر الذي يعيش من أجل فكرة ويموت من أجلها، فإن أسامة كان يحمل من روحه شيئًا كثيرًا؛ ذلك الإيمان العنيد بالحرية، وذلك الاستعداد الكامل لدفع ثمنها، وذلك الحضور الذي لا ينفصل فيه القول عن الفعل. لم يكن ثائرًا في الخطابة فقط، بل في الممارسة اليومية، في اختياراته، في مواقفه، في انحيازه الدائم للحق مهما كان الثمن.

وبرحيله، تعود إلى الأذهان كلمات أمل دنقل، وكأنها كُتبت لهذه اللحظة تحديدًا:

لا… لم يمت

هل يموت الذي كان يحيا

كأن الحياة أبد؟

نعم، لا يموت من عاش فكرة، ولا يغيب من كان حضوره أثرًا في الناس. يموت الجسد، لكن تبقى السيرة، ويبقى الاسم، وتبقى المواقف التي تتحول مع الزمن إلى علاماتٍ في طريق الأجيال القادمة.

لقد اغتالت المسيرة جسده، لكنها لم تستطع أن تغتال ما كان يمثله. فالفكرة التي حملها، والقيم التي عاش لها، والمواقف التي ثبت عليها، كلها أكبر من أن تُقصف بصاروخ، أو تُمحى بقرار. بل لعل دمه الذي سُفك ظلمًا سيكون، كما تقول القصيدة، بذرةً لألف ثائر، لأن الأرض التي تُروى بدماء الصادقين لا تُنبت إلا مزيدًا من الكرامة.

إن فقد أسامة ليس خسارة شخصية لعائلته ورفاقه فحسب، بل هو خسارة وطن، وخسارة مشروع، وخسارة مرحلة كانت في أمسّ الحاجة إلى أمثاله. لكنه، في المقابل، ترك ما يجعل غيابه حضورًا دائمًا؛ ترك المثال الذي يُحتذى، وترك الطريق الذي لا ينبغي أن ينقطع، وترك سؤالًا مفتوحًا في وجه كل من عرفه: كيف نكون أوفياء لما عاش من أجله؟

نعزي أنفسنا، ونعزي أهله ورفاقه، ونعزي تحالف السودان التأسيسي الذي فقد أحد أميز قادته، ونعاهد روحه أن تبقى الراية مرفوعة، وأن يستمر الدرب الذي سلكه، لا انكسار فيه ولا تراجع.

رحم الله أسامة حسن حسين، وأسكنه فسيح جناته، وجعل دمه الطاهر نورًا يهدي السائرين، وجرحًا لا يندمل إلا بانتصار الحق الذي عاش من أجله.

فالوحش يقتل ثائرًا… لكن الثورة لا تموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!