رأي

ارث الاستحواذ كيف عرقلت الأنانية المصرية قطار التنمية في دول حوض النيل

عماد جدو

 

​عماد جدو

​في وقت يواجه فيه العالم أزمات مناخية وطاقة طاحنة، يعود ملف مياه النيل ليطفو على السطح، ليس كشريان للحياة فحسب، بل كساحة للصراع بين عقلية “الاستحواذ التاريخي” وتطلعات “التنمية العادلة”. فبينما تتمسك القاهرة باتفاقيات تعود لمنتصف القرن الماضي، تنادي دول المنبع بعهد جديد ينهي ما يصفه الخبراء بـ “القسمة الضيزى” التي همشت شعوباً تفوق مصر عدداً واحتياجاً.

​تعد اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان حجر الزاوية في الأزمة الحالية؛ فهي الاتفاقية التي منحت مصر نصيب الأسد بواقع 55.5 مليار متر مكعب، والسودان 18.5 ملياراً، متجاهلة تماماً حقوق دول المنبع الأخرى (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، وجنوب السودان).

​هذه القسمة لم تكن جائرة بحق دول المنبع فحسب، بل حتى السودان نفسه لم يستطع تاريخياً استغلال كامل حصته، لتذهب الفوائض سنوياً إلى “السد العالي” كمنحة مجانية لمصر، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة في السودان وجواره من فقر الطاقة والتنمية.

​أكذوبة الحق التاريخي أمام لغة الأرقام

​تتحجج النخب السياسية والإعلامية في مصر دائماً بالانفجار السكاني كذريعة للاستئثار بالمياه، لكن نظرة سريعة على الخارطة الديموغرافية تكشف زيف هذا المنطق:

​إثيوبيا وحدها تجاوزت مصر في التعداد السكاني.

​الكتلة البشرية لدول (أوغندا، كينيا، تنزانيا، وجنوب السودان) مجتمعة تفوق التعداد المصري بمراحل.

​إن الإصرار على أن “النيل هبة للمصريين وحدهم” هو نوع من “البلطجة السياسية” التي لم تعد تجدي نفعاً في القرن الحادي والعشرين. فدول المنبع لم تعد تقبل بدور “المتفرج” على مواردها وهي تتدفق لتوليد الكهرباء في أسوان، بينما تعيش مدنها وقراها في ظلام دامس

​جاءت اتفاقية “إطار التعاون لحوض النيل” (عنتبي) لتعيد صياغة المشهد. فهي لا تستهدف حرمان مصر من المياه، بل تهدف إلى التوزيع المنصف والمستدام. إن تمسك مصر برفض هذه الاتفاقية يعكس حالة من “الأنانية السياسية” التي ترفض الاعتراف بسيادة الآخرين على مواردهم، وهو ما دفع إثيوبيا للمضي قدماً في “سد النهضة” كنموذج رائد لكسر الهيمنة وتحقيق الاكتفاء من الطاقة.

​ ان الدروس من أمريكا اللاتينية: تجربة “إيتايبو” الملهمة

​بينما يغرق حوض النيل في التوترات، قدمت دول (البرازيل، باراغواي، والأرجنتين) نموذجاً حضارياً في إدارة الموارد المائية. عبر سد “إيتايبو” العملاق، تمكنت هذه الدول من تحويل المياه إلى طاقة مشتركة:

​باراغواي، الأقل استهلاكاً، تبيع فائض طاقتها للبرازيل والأرجنتين.

​تحول المورد المائي من فتيل للحرب إلى محرك للنمو الاقتصادي المشترك. هذا النموذج يثبت أن بناء السدود في دول المنبع (مثل سد النهضة) يمكن أن يكون نعمة للجميع إذا تخلت دول المصب عن عقلية “الوصاية”.

​المفارقة الصارخة تكمن في أن مصر، التي حاربت طويلاً لمنع دول المنبع من بناء السدود بحجة حماية أمنها المائي، تعاني اليوم من أزمة طاقة حادة وانقطاعات متكررة في الكهرباء. لم يشفع لها السد العالي ولا الاستحواذ على الحصص التاريخية في تأمين رفاهية شعبها، لأن الأنانية في إدارة الموارد غالباً ما تؤدي إلى الفشل الاستراتيجي.

​على الدولة المصرية ونخبها أن تدرك أن زمن الشعارات من قبيل “النيل أمن قومي لا يمس” بمعناه الإقصائي قد ولى. الحل لا يكمن في التهديد أو التعنت، بل في الجلوس على طاولة “عنتبي” بروح الشراكة لا السيادة.

​إن شعوب المنطقة تطمح لتكامل مائي وكهربائي يجعل من النيل جسراً للتعاون كما هو الحال في تجربة أمريكا اللاتينية. فهل يتواضع “الفرعون” ويقبل بالقسمة العادلة، أم يظل أسيراً لأوهام التاريخ بينما يكتب جيرانه مستقبلهم بالعمل والسيادة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!