رأي

سقطة الدبلوماسية وسلاح التضليل: كيف تكشف السجالات الدولية أزمة الشرعية

نجوي بابو

نجوي بابو

لم تعد معركة انتزاع الشرعية والبقاء في مشهد حكومة الأمر الواقع تدار عبر فوهات البنادق في الميدان فحسب، بل تحولت أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى ساحات مكشوفة تعكس حجم الانهيار الأخلاقي والدبلوماسي لسلطة بورتسودان، وفي هذا السياق، يبرز السجال الدبلوماسي الأخير وما صاحبه من تقديم دفوعات ومعلومات مغلوطة وكاذبة من قِبل مندوب السودان الدائم، الحارث إدريس، أمام مجلس الأمن الدولي، كأحد أكثر الشواهد مأساوية على تآكل مصداقية الدولة وتحويل المنصات الأممية السيادية إلى منابر لتمرير البروباغندا السياسية والتضليل الممنهج، هذا السقوط الدبلوماسي المدوي يتجاوز كونه مجرد زلة لسان أو تقدير خاطئ، بل هو انعكاس بنيوي لأزمة شرعية عميقة تدفع سلطة الأمر الواقع نحو استخدام كافة الوسائل، بما فيها تزييف الحقائق على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، لحجب واقع المعاناة الإنسانية والانتهاكات الإدارية والمالية الشاملة التي تمارسها ضد الخصوم والمعارضين السياسيين.

،يمثل الكذب والتضليل المتعمد أمام مجلس الأمن الدولي خرقاً فاضحاً للأعراف والمواثيق التي تحكم العمل الدبلوماسي عابر الحدود، وتحديداً اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، حيث يفترض في ممثل الدولة تقديم تقارير وحقائق موثقة تعكس الواقع بمسؤولية ونزاهة، إن لجوء المندوب إلى تزييف الحقائق عن وجود حكومة مدنية في بورتسودان وال القوة المدنية المطاردة من قبل حكومه الأمر الواقع قدموا استقالاتهم ومحاولت تضليل المجتمع الدولي وتزيف معطيات الأوضاع الإنسانية، وإنكار حقيقة استخدام الوثائق الثبوتية وسلاح الجنسية كأدوات للحصار الإداري والإقصاء الجغرافي ومحاولة التغطية على قرارات مصادرة الأملاك والعقارات تعسفياً دون محاكمات عادلة، هو سلوك يجرد سلطة بورتسودان من أي مصداقية متبقية أمام الأسرة الدولية، وفي القانون الدولي، يُصنف تضليل الهيئات الأممية أثناء النزاعات المسلحة كإساءة استخدام صارخة للصفة السيادية، ومحاولة يائسة للالتفاف على التزامات حماية المدنيين وإيصال المساعدات عبر الممرات الإنسانية الآمنة.

هذه السقطة الدبلوماسية تبرهن على الضعف البالغ وحالة العزلة الدولية المتزايدة التي تعيشها سلطة بورتسودان؛ فاللجوء إلى التضليل العلني يثبت عجز هذه السلطة عن تقديم مشروع وطني حقيقي يستند إلى الحقائق والعدالة والرضا الشعبي العريض، وبدلاً من الانخراط المسؤول في مسارات الحوار الوطني الشامل وإصلاح القطاع الأمني، تختار السلطة الهروب إلى الأمام عبر صناعة روايات متخيلة تفككها التقارير المستقلة لخبراء الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في غضون دقائق، ومثل هذه الممارسات لا تسهم إلا في تعميق فجوة الثقة بين الشعب السوداني العظيم وبين النخبة العسكرية المسيطرة، وتدفع القوى الإقليمية والدولية، بما فيها الاتحاد الأفريقي، إلى تشديد الرقابة وتجميد الاعتراف بأي قرارات إدارية أو مالية جائرة تصدر من طرف واحد.

وفي مواجهة هذا الانحدار الدبلوماسي والبيروقراطي، يتحرك الوعي المدني والشبكات القانونية بحكومة السلام والوحدة الانتقالية نحو تعزيز السيادة الرقمية والحوكمة البديلة لحماية المواطنين من تبعات هذا التضليل؛ من خلال تفعيل منظومة السجل المدني والملكيات الرقمي البديل، المحمي بالتشفير السحابي والتشريعات السيبرانية الحازمة لعام 2026، لتوثيق حقوق وحواكير أهلنا في دارفور وكردفان وضمان اعتراف المؤسسات الدولية بها بعيداً عن القرارات المزورة، وفي نهاية المطاف، تؤكد شواهد التاريخ المعاصر أن حبال التضليل قصيرة في عصر التدفق الرقمي، وأن الأنظمة التي تختار الكذب على المجتمع الدولي ومصادرة حقوق مواطنيها بقوة السلاح لا تحصد سوى العزلة السريعة والسقوط الأخلاقي، فالشرعية الحقيقية لا تُنتزع بتزييف الإفادات أمام مجلس الأمن، بل يصنعها الصدق مع الشعب والالتزام بمبادئ الحق والعدالة وصون كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!