
فيصل أبكر شرف
إن الحديث عما يسمى بحكومة الأمل (56) لم يعد سوى استدعاءٍ باهتٍ لماضٍ سياسيٍ استُهلك حتى العظم، ولم يخلّف وراءه سوى الخراب المؤسسي والانقسام المجتمعي. فهي، في جوهرها، ليست أكثر من هيكل متآكل يعيش على أطلال مرحلةٍ ولى زمنها، دون أن يمتلك القدرة أو الإرادة للقطيعة معها. وجوهها ذاتها، وخطابها هو نفسه، يدور في حلقة مفرغة من الشعارات التي لم تُثمر سوى مزيد من الفقر والنزوح والشتات. لقد تحوّل “الأمل” في قاموسها إلى مجرد لافتة دعائية، تخفي وراءها انغلاقاً فكرياً وارتهاناً لمصالح ضيقة، جعلت المركز يتغذى على حساب الأطراف، ويُعيد إنتاج ذات الأزمة بأدوات قديمة.
هذه الحكومة لم تتعلم من دروس التاريخ، بل واصلت تجاهل استحقاقات الأقاليم والمكونات التي ظلت لعقود خارج دائرة الفعل السياسي الحقيقي، حتى أصبحت الفجوة بين الدولة والمجتمع أكثر اتساعاً. فهي لا تقدم حلولاً، بل تعيد تدوير الأزمات، وتسوّق أوهاماً لم يعد الشارع يثق بها، في وقتٍ تتطلب فيه البلاد رؤية جذرية وشجاعة للخروج من النفق.
في المقابل، تبرز حكومة السلام والتأسيس بوصفها مشروعاً مختلفاً في الرؤية والمنهج، إذ تنطلق من فكرة إعادة بناء الدولة من القاعدة، لا من قمة السلطة. إنها محاولة جادة للانتقال من الفوضى المنظمة إلى التأسيس الحقيقي، القائم على العدالة والمواطنة المتساوية، بعيداً عن الصفقات السياسية الضيقة. هنا لا مكان للمناورات أو الشعارات الفارغة، بل عمل ميداني يسعى لترسيخ مؤسسات فاعلة، وبناء جيش وطني مهني يحمي البلاد دون أن يكون أداة لصراع السلطة.
تؤمن هذه الحكومة بأن السلام ليس مجرد خيار، بل شرطٌ أساسي لأي مشروع وطني، وأن مواجهة الماضي بصدق هي المدخل الوحيد لبناء مستقبل مستقر. ولذلك، فهي تطرح رؤية تسعى إلى سودان جديد، يعترف بتنوعه، ويحترم كرامة إنسانه، ويؤسس لعقد اجتماعي قائم على الشراكة لا الهيمنة.
إن الفارق بين المشروعين يتجاوز البرامج إلى جوهر الفكرة نفسها؛ فهو صراع بين إرادة تحاول ترميم القديم وتجميله، وإرادة أخرى تسعى لاقتلاع جذور الأزمة وبناء واقع جديد. ومن هنا، فإن الانحياز لحكومة التأسيس ليس مجرد موقف سياسي، بل هو انحياز للمستقبل، ولحقيقةٍ مُرّة يجب مواجهتها، حتى نتمكن من تشييد وطنٍ معافى، قوي، ومستقر يتسع للجميع.




