رأي

دماء الشهداء.. أمانة التاريخ لا غنيمة الانتهازيين

هشام محمد شريف

 

هشام محمد شريف

في مسيرة الشعوب نحو الحرية، لا تُكتب التحولات الكبرى بالحبر وحده، وإنما تُكتب قبل ذلك بدماء الرجال والنساء الذين قرروا أن يجعلوا من حياتهم جسراً تعبر عليه أوطانهم نحو مستقبل أفضل. والشهداء ليسوا مجرد أرقام تُضاف إلى سجلات الصراع، ولا أسماء تُرفع في المناسبات والخطابات، وإنما هم القيمة الأخلاقية العليا لأي مشروع يسعى إلى التغيير الحقيقي. فهم الذين دفعوا الثمن كاملاً حين تردد الآخرون، وواجهوا الخطر مباشرة حين اختار كثيرون الوقوف في مناطق الأمان.

إن دماء الشهداء ليست ملكاً لأحد، ولا يحق لأي جهة أو فرد أن يحتكر الحديث باسمها أو يتخذ منها وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. فالتضحيات العظيمة التي قُدمت في ميادين النضال أكبر من أن تُختزل في مصالح ضيقة أو حسابات آنية. إنها أمانة ثقيلة في أعناق الأحياء، ومسؤولية أخلاقية وتاريخية تفرض على الجميع الوفاء للمبادئ التي استشهد من أجلها أولئك الأبطال.

لقد خرج الشهداء إلى ميادين المواجهة وهم يدركون حجم المخاطر التي تنتظرهم، لكنهم اختاروا الطريق الأصعب لأنهم آمنوا بأن الكرامة لا تُمنح وإنما تُنتزع، وأن الحرية لا تُوهب وإنما تُنتزع بالتضحيات الجسام. لم يبحثوا عن امتيازات خاصة، ولم يساوموا على مبادئهم، ولم يجعلوا من القضية سلعة للمساومة أو وسيلة للارتقاء الشخصي. كانوا أكثر نقاءً من الحسابات الصغيرة، وأكثر اتساعاً من المصالح الضيقة، ولذلك استحقوا أن يحتلوا مكانتهم في وجدان الشعوب وفي صفحات التاريخ.

وإذا كانت ميادين النضال قد أنجبت هؤلاء العظماء، فإنها كشفت كذلك وجهاً آخر يتمثل في أولئك الذين يحاولون استثمار التضحيات لتحقيق مكاسب ذاتية. فهناك دائماً من يظهرون عند اشتداد المحن ليرتدوا ثياب البطولة دون أن يدفعوا ثمنها، ويتحدثوا باسم الشهداء دون أن يحملوا شيئاً من قيمهم أو مبادئهم. هؤلاء لا ينتمون إلى مدرسة التضحية، بل إلى مدرسة الانتهازية التي ترى في كل أزمة فرصة للربح، وفي كل مأساة باباً للمساومة.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي قضية عادلة ليس قوة خصومها فحسب، وإنما تسلل الانتهازيين إلى صفوفها. فالأعداء يواجهون المشروع من الخارج، أما تجار القضايا فيعملون على إضعافه من الداخل. ولذلك فإن حماية إرث الشهداء لا تكون فقط بمواصلة النضال، وإنما أيضاً بالتصدي لكل محاولات المتاجرة بتضحياتهم أو توظيفها لخدمة أجندات شخصية لا علاقة لها بأهدافهم النبيلة.

وإلى أسر الشهداء الذين تحملوا قسوة الفقد ومرارة الغياب، فإن الوطن يدين لهم بقدر لا يمكن قياسه بالكلمات. لقد قدموا أغلى ما يملكون من أجل مستقبل لم يطلبوا مقابله ثمناً، وتركوا للأجيال القادمة نموذجاً نادراً في الإيثار والوفاء. وستظل تضحيات أبنائهم منارات تهدي الطريق لكل الباحثين عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

أما المقاتلون والثابتون على العهد، فإن مسؤوليتهم اليوم لا تقل أهمية عن مسؤولية من سبقوهم إلى ميادين الشرف. فالمعارك الحقيقية لا تُحسم بالقوة وحدها، وإنما تُحسم كذلك بوضوح الهدف ونبل الغاية ونقاء الوسيلة. والثبات على المبادئ في أوقات الشدة هو الاختبار الحقيقي لصدق الانتماء للقضية.

إن التاريخ لا يخلد أصحاب الأصوات المرتفعة، ولا أصحاب الشعارات الرنانة، وإنما يخلد الذين قدموا التضحيات وصانوا الأمانة وحافظوا على المبادئ. ولهذا ستبقى دماء الشهداء شاهدة على أصحاب المواقف الصادقة، كما ستبقى شاهدة أيضاً على كل من حاولوا استغلالها أو المتاجرة بها.

فالشهداء لم يرحلوا ليصبحوا مادة للخطابات أو جسراً للمصالح الشخصية، وإنما رحلوا ليتركوا وصية واضحة للأحياء: أن تظل الحرية قيمة عليا، وأن يبقى الوطن أكبر من الأفراد، وأن تكون المبادئ فوق المصالح. تلك هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حية في الضمائر، وتلك هي الأمانة التي لا يجوز التفريط فيها مهما تبدلت الظروف وتعاقبت الأزمنة.

المجد والخلود للشهداء، والعار لكل من يحاول تحويل تضحياتهم إلى سلعة في أسواق السياسة والمصالح. فدماء الطاهرين ستظل دائماً أعلى من كل الحسابات الصغيرة، وأبقى من كل المشاريع العابرة، وأقوى من كل محاولات التشويه والاستغلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!