رأي

إعادة تشكيل العقل العسكري في السودان.. ارتباك القيادة بين ضغط الميدان وتعقيدات السياسة

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبه آدم

 

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبه آدم

الحروب لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بقدرة القيادة على قراءة اللحظة وإعادة تعريف أدواتها

لم تكن التغييرات الأخيرة في رئاسة الأركان بالجيش السوداني مجرد إجراء إداري تقليدي أو تبديل روتيني في المواقع القيادية، بل جاءت في سياق بالغ التعقيد، يعكس تحولات عميقة فرضتها طبيعة الحرب الدائرة، وتشابك العوامل المحلية والإقليمية والدولية المؤثرة على مسار الصراع ومستقبل الدولة السودانية.

لقد دخلت الحرب في السودان مرحلة الاستنزاف طويل الأمد، حيث لم يعد الحسم العسكري السريع خيارًا واقعيًا، في ظل اتساع مسرح العمليات وتعدد الجبهات، إلى جانب تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى فرض تسوية سياسية. ويأتي هذا في وقت شهدت فيه الساحة الدولية تحولات لافتة، من بينها خطوات أمريكية بتصنيف قوى إسلامية سودانية ضمن قوائم الإرهاب وتجميد أصولها، وهو ما وضع حكومة البرهان أمام تحديات مركبة، تتجاوز الميدان العسكري إلى حسابات الشرعية والقبول الدولي.

على المستوى الداخلي، برزت تحديات تتعلق ببنية القيادة والسيطرة داخل المؤسسة العسكرية، مع مؤشرات واضحة على تباين الولاءات وتزايد حالة التذمر وسط بعض الضباط، وهو ما فرض ضرورة إعادة ضبط مراكز النفوذ وتعزيز دائرة الثقة حول القيادة العليا، كإجراء وقائي للحفاظ على تماسك المؤسسة في لحظة حرجة.

في المقابل، حققت قوات الدعم السريع، مدعومة بتحالف “تأسيس”، تقدمًا ملحوظًا في عدد من الأقاليم، مستفيدة من قدرتها على الانتشار الجغرافي الواسع، واعتمادها على تكتيكات الحرب غير التقليدية، خاصة في بيئات المدن، حيث أظهرت مرونة عالية في الحركة والمناورة، ما وضع الجيش أمام تحدٍ حقيقي لإعادة تعريف عقيدته القتالية.

من هذا المنظور، يمكن قراءة التغييرات في رئاسة الأركان كجزء من عملية إعادة تشكيل شاملة، تستهدف الانتقال من نمط عسكري تقليدي إلى نموذج أكثر توافقًا مع متطلبات الحروب الحديثة، يقوم على السرعة في اتخاذ القرار، وتحسين التنسيق بين القوات البرية والجوية وأجهزة الاستخبارات، إلى جانب بناء قيادة ميدانية أكثر فاعلية في الخرطوم والأقاليم، قادرة على المبادأة وليس فقط رد الفعل.

غير أن هذه التغييرات لا تنفصل عن صراع غير معلن داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بين تيار مهني تقليدي يسعى للحفاظ على الطابع المؤسسي للجيش، وتيارات أخرى ذات خلفيات أيديولوجية، خاصة المرتبطة بالإسلاميين السابقين. ويبدو أن ما يجري ليس إقصاءً كاملاً لأي طرف، بقدر ما هو إعادة توازن دقيقة، تهدف إلى منع الانقسام الداخلي الذي قد ينعكس سلبًا على مجريات المعركة.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة “إعادة التموضع” كعنوان رئيسي لهذه المرحلة، حيث تحاول القيادة العسكرية تقديم نفسها كقوة وطنية محايدة، عبر تقليص الظهور العلني لبعض العناصر المحسوبة على التيارات الإسلامية، في خطوة تستهدف تخفيف الضغوط الدولية وكسب قدر من الشرعية الخارجية، دون أن يعني ذلك بالضرورة قطيعة كاملة مع تلك التيارات، التي قد يستمر التنسيق معها في مستويات غير معلنة، وفق مقتضيات الواقع الميداني.

إقليميًا، تلعب عدة أطراف أدوارًا مؤثرة في مسار الصراع، حيث تنظر مصر إلى تطورات الوضع في السودان من زاوية أمنها القومي وحدودها الجنوبية، بينما تمارس السعودية دورًا سياسيًا وتفاوضيًا، في حين ترتبط الإمارات بعلاقات مع بعض أطراف النزاع، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، ويفرض على القيادة العسكرية السودانية حسابات دقيقة في إدارة علاقاتها الخارجية، بالتوازي مع معركتها الداخلية.

كما أن السيطرة على الموارد ومصادر الدعم الخارجي باتت عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة، في ظل حرب تعتمد بدرجة كبيرة على الاستدامة اللوجستية، وهو ما يفسر جزءًا من إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الجيش، ومحاولات إحكام السيطرة على مفاصل القرار العسكري والمالي.

في المحصلة، لا تعكس التغييرات في رئاسة الأركان مسارًا محسوبًا بقدر ما تكشف عن حالة من التخبط الاستراتيجي داخل بنية القيادة العسكرية، في ظل عجز واضح عن إنتاج رؤية متماسكة لإدارة الحرب. فهي تبدو أقرب إلى ردود أفعال متلاحقة على تطورات الميدان وضغوط الخارج، أكثر من كونها جزءًا من خطة متكاملة لإعادة ضبط ميزان القوى. هذا الارتباك لا يقتصر على إعادة توزيع المواقع، بل يمتد إلى غموض في تحديد الأولويات، وتداخل في مراكز القرار، ما يعكس مأزقًا بنيويًا في إدارة الصراع، ويضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار صعب بين متطلبات البقاء وتحديات إعادة التعريف.

وبين واقع الحرب ومتطلبات السياسة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه التغييرات على إحداث تحول حقيقي في مسار الصراع، أو أنها مجرد إعادة تموضع مؤقتة في حرب لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!