رأي

حميدتي.. كعقيدة

حاتم الياس المحامي

 

حاتم إلياس المحامي 

ستحتاج أن تعبر دغلاً كثيفاً من تصورات النخب المدينية، وهي تعيد توصيف الحرب بما يلائم مشروعها السياسي والمصالح التي تقف خلفه، وفي مركزها الدولة، جهاز السلطة الذي يوزع غنائم وريع السيطرة. ورغم أنني ود جلابة، وأمقت هذه الكلمة في سياقاتها المعرفية التي تشتبك مع أطروحة الهامش والمركز، لكنني، على مضض، سأصف جهاز الدولة هذا بـ(بابا نويل الجلابة). وهنا أذكر كتاب البروف عطا البطحاني المهم في تحليل وتوصيف الأزمة في السودان، فقد أضحكتني حيرته كباحث وهو يذكر كلمة “جلابة”، ويقول في الهامش إنه مضطر لاستخدامها حتى في هذا الغرض البحثي الأكاديمي.

تأتي غنائم السلطة هذه أحياناً بشكل عبثي، كما في حالة كامل إدريس والأعيسر، وكأنهما وصلا إليها عبر مسابقة “القبعة” التي كنا نقيمها في الرحلات الشبابية، وتكون هناك ورقة فائزة. أو تأتي السلطة بوصفها موروثاً عائلياً مستحقاً، توزع مثل العقارات والأرصدة، كما في حالة أخونا أمجد فريد، الذي تبدو السلطة بالنسبة له جزءاً من تنشئته، وحدثاً مألوفاً في الذاكرة الطبقية. بالتالي، لن يكون مخلوعاً أو منطط العينين مثل الأعيسر، فقد اختبرها سابقاً، وشاهدها، ولن تخلعه في بيت الجيران (قل: عند البرهان)، فهي عنده موروث وفضاء اجتماعي وحالة معتادة، مثل أن يخرج إلى الجيران مهنئاً بالعيد، ويتناول قطعة كعك (ويفر)، ثم يعود إلى مشاغل يومه.

لكن، في كل الأحوال، لم يطرأ علينا نحن أبناء النخب المدينية، من رواد المنتديات والأحزاب، سؤال عن المدى الذي تستطيع أن تمتد إليه هذه السلطة، وهل على مشاهدينا في الأقاليم مراعاة فروق الحكم والثروة والسلطة.

أستاذنا نصر الدين يوسف دفع الله، الشهير بـ”نصر الدين كوفس”، ولحق به لقب آخر إبان مشكلة دارفور، فسمي “جنجويد”. قال كوفس في إحدى قصصه إنه، في بدايات المهنة، بدأ تدريبه في مكتب الأستاذ عادل عبد الغني، المحامي الشهير. وكان هناك جلسة لأحد موكلي عادل عبد الغني، فاقترح عادل على الموكل أن يذهب معه إلى الجلسة نصر الدين كوفس، وأشاد أمامه بشطارته وقدرته على إدارة الأمر بكيفية محترفة لا تقل عن أداء أستاذه. لكن الموكل احتج ورفض أن يذهب معه كوفس. ويبدو أن كوفس أخذ الأمر في خاطره، فأدرك عادل ذلك، فناداه في المكتب وقال له: “القصة دي ما محاماة ومشي للمحاكم بس، دي عقيدة”، أي درجة من الثقة الباطنية تجعل المحامي أشبه بالشيخ، والموكل مريداً مجذوباً بثقة لا متناهية. لاحقاً، أصبح كوفس نفسه لموكليه عقيدة، ونحن الذين مررنا على مكتبه اصبحنا ايضاً من حوارييه .

لذلك، فإن السخرية من حكومة تأسيس مفهومة، والنظر إليها كتجربة نصيبها الفشل، بالنظر إلى زاوية أيديولوجية محضة، على أساس أن فشلها قادم من انقطاعها عن موروث السلطة، أو بشكل ساخر: “حواضن السلطة لكن عموما المركز لم يحرم الاطراف فقط من الثروة والسلطة بل حرمها أيضا من خبرة جهاز الدولة “.

أيضاً، في هذه الحرب، ومع ما أحدثته من عنف وانتهاكات، وحالات نزوح ولجوء ألمّت بالسودانيين، وما فقدوه بسببها، أصبح حميدتي هو ذلك العدو الذي ينافس الشيطان في صفقات الشر. لكن لا أحد الآن يتساءل: ماذا يشكل حميدتي في المشهد بالنسبة للدارفورين، بالنظر إلى ما يمكن أن نسميه “سوسيولوجيا القيادة”؟

حالياً، حميدتي، وسط مجتمعاته، هو قائد وبطل ومخلص جديد، حتى إن الحكايات المستندة إلى خليط بين مشهد الصوفية التجانية والسياسة أصبحت تتقاطع في النظر عليه وتتزاحم . وكالعادة، مثلما حلم جد البرهان بأن حفيده سيصبح رئيساً للسودان، هناك أيضاً حكايات ونبوءات من شيوخ وصالحين في تلك الجهات عن الفتى الذي سيخرج من البادية ويوحد الدارفوريين. (أنتو قايلين قصصكم دي براكم ؟).

وربما تساعد هذه الحكايات والسرديات، بوصفها ظواهر سودانية موجودة بعمق في بنية الوعي المستندة إلى بيئات التصوف في فهم نشهد الحرب الأن. كما أن تأثير الطريقة التجانية في غربي إفريقيا وهي لم تكن مجرد طريقة أوراد وتفرغ للمسالك الروحية، بل كانت أيضاً حركة مقاومة شرسة ضد الاستعمار الفرنسي. وفي المغرب نفسه، كانت الحركة الوطنية بقيادة محمد الخامس، وهيبة الملك والتفاف الشعب حوله، لا تعبران عن بنية سلطة ملكية فقط، وإنما ارتبطتا أيضاً بالبعد الصوفي، فلم يكن محمد الخامس ملكاً فقط، وإنما أيضاً شيخ طريقة، وهو ما سماه الكاتب المغربي الميلودي شغموم بـ”الطرقية”، أي أن العلاقة لم تكن علاقة ملك ورعايا، وإنما علاقة سالكين وشيخ.

نضيف إلى ذلك، ومن باب الاختصار، أن ملامح من السيرة الهلالية المختزنة في ذاكرة القبائل العربية، واعتبارهم أنفسهم امتداداً للهلاليين، لها أيضاً تأثير كبير. وهناك كتاب مهم للراحل إبراهيم إسحق عن الهلاليين. فذاكرة الهلاليين، والسيطرة الهلالية، هي في الواقع سيرة البداوة العربية في صراعها مع السلطة في الحواضر؛ أي صراع بين نمط من التحديث العنيف يريد استيعاب البداوة والقضاء على هويتها، وبين بداوة متمردة على إعادة الضبط العنيف الذي قد يفقدها عنوانها. وهذا مبحث طويل، وإيجاد موطئ قدم معرفي له في هذا البوست الخفيف يحتاج إلى جهد، وليس مجرد إشارة.

لكن ما نود قوله هنا أن حميدتي خارج تصوراتكم. وأنا هنا أقوم، إن صح التعبير، بالتجسس العلني لكم من داخل حوش تأسيس. وبدلاً من أن أعود كبقال والقبة وغيرهم من العائدين، وجدت أن وجودي في حوش تأسيس أفضل لكم، للمساهمة في هزيمة جهلكم بالواقع والمتغيرات.

حميدتي الآن ليس مجرد قائد عسكري للدعم السريع، وإنما 

تحول إلى “عقيدة” لدي المواطنين في دارفور وكردفان .

هسع بالله كده أنا موش احسن ليكم من العودة لحضن الوطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!