رأي

السلطان أحمد دينار بين ضجيج الشيطنة وصلابة موقفه الوطني 

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن

الحق لا يُقاس بكثرة الصخب حوله، بل بثباته حين تعصف به الرياح

في زمنٍ تختلط فيه الأصوات وتضيع فيه الحقائق بين حملات التضليل وأبواق الدعاية، يصبح من الضروري الوقوف عند طبيعة الخطاب الذي يُصنع ضد الشخصيات العامة، لا بوصفه مجرد رأي، بل كأداة سياسية موجهة بعناية. فما نشهده اليوم ليس نقاشًا موضوعيًا أو نقدًا مشروعًا، بل هو حملة منظمة تتكئ على أقلام مأجورة ومنصات مسعورة، تستهدف تشويه صورة شخصيات اختارت أن تنحاز بوضوح إلى معسكر التغيير.

إن استهداف السلطان أحمد دينار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأوسع في السودان، حيث تتصارع مشاريع متناقضة: مشروع يسعى لإعادة إنتاج الهيمنة القديمة بوجوه جديدة، ومشروع آخر يحاول تفكيك بنية الظلم التاريخي وبناء دولة على أسس أكثر عدالة. في هذا السياق، يصبح الانحياز موقفًا مكلفًا، وتتحول كل شخصية تقف مع دعاة التغيير إلى هدف مباشر لحملات التشويه.

ليست هذه الحملات جديدة في التاريخ السياسي السوداني، بل هي امتداد لنهج قديم اعتمدته قوى الردة كلما شعرت بأن نفوذها مهدد. تبدأ الحملة دائمًا بتشكيك في الشرعية، ثم تنتقل إلى صناعة روايات متضاربة، وتنتهي بمحاولة اغتيال معنوي ممنهج. لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو حجم الانفعال والاندفاع في هذه الحملات، وكأنها تعكس حالة ذعر حقيقية لدى من يقفون خلفها.

السبب واضح: لأن السلطان أحمد دينار لم يقف في المنطقة الرمادية، ولم يحاول التوازن بين المتناقضات، بل اتخذ موقفًا صريحًا بالانحياز إلى تحالف السودان التأسيسي، وهو موقف يحمل دلالات سياسية عميقة. فالانحياز إلى مشروع “تأسيس” ليس مجرد اصطفاف عابر، بل هو إعلان عن رؤية جديدة للدولة السودانية، رؤية تتجاوز المركزية القديمة وتفتح المجال أمام تمثيل حقيقي للهامش.

وهنا تكمن حساسية الموقف؛ لأن هذا المشروع يهدد بشكل مباشر البنية التي ظلت تتحكم في الدولة لعقود. لذلك، فإن استهداف من يدعمه ليس هدفه الشخص بقدر ما هو محاولة لضرب الفكرة نفسها. إنها معركة رمزية بامتياز، يُراد منها إرسال رسالة لكل من يفكر في الانحياز إلى التغيير: أن الثمن سيكون باهظًا.

لكن المفارقة أن هذه الحملات، رغم كثافتها، تكشف أكثر مما تخفي. فهي تفضح طبيعة القوى التي تقف وراءها، وتؤكد أن المعركة ليست حول شخص، بل حول اتجاه سياسي واضح. وعندما تتحول ماكينة إعلام الفلول إلى هذا المستوى من التعبئة، فإن ذلك يعني أن هناك تحولًا حقيقيًا يجري على الأرض، وأن موازين القوة لم تعد كما كانت.

إن محاولات الشيطنة التي تُمارس اليوم لا تستند إلى منطق أو أدلة بقدر ما تعتمد على التكرار والتضخيم. يتم إعادة تدوير الاتهامات، وتضخيم الجزئيات، وبناء سرديات كاملة على أساس الشكوك. وهذه تقنية معروفة في الحروب الإعلامية، حيث لا يُراد إقناع الجمهور بالحقيقة، بل إغراقه في الضباب حتى يفقد القدرة على التمييز.

غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بواقع مختلف. فالمجتمع السوداني، رغم ما يمر به من أزمات، أصبح أكثر وعيًا بطبيعة هذه الحملات، وأكثر قدرة على قراءة ما وراءها. لم يعد من السهل تمرير الروايات الجاهزة كما كان في السابق، ولم تعد الشخصيات العامة رهينة لصورة تُصنع في غرف مغلقة.

وفي هذا الإطار، فإن استهداف السلطان أحمد دينار بسبب مواقفه السياسية يؤكد أنه يتحرك في اتجاه يزعج القوى التقليدية. فالدفاع عن قضايا المهمشين، والوقوف إلى جانب ضحايا الحرب، ليس مجرد خطاب، بل هو موقف يترجم نفسه في الفعل السياسي. وهذا ما يجعل الهجوم عليه أكثر شراسة، لأن ما يمثله يتجاوز شخصه إلى مشروع أوسع.

إن دعم ضحايا الحرب، والانحياز إلى من هم في الصفوف الخلفية للمجتمع، هو جوهر أي مشروع مدني حقيقي. وهو أيضًا ما يميز الخطاب الجديد الذي يسعى إلى إعادة تعريف الدولة السودانية على أسس العدالة والمساواة. ولذلك، فإن استهداف هذا الخطاب هو في جوهره استهداف لفكرة الدولة المدنية نفسها.

ولا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه بعض المنصات الإعلامية في تغذية هذه الحملات. فهناك إعلام ما زال يعمل بعقلية الدولة القديمة، ويعتبر أن أي خروج عن السردية الرسمية هو تهديد يجب مواجهته. هذا الإعلام لا يسعى إلى نقل الحقيقة، بل إلى إعادة إنتاجها بما يخدم مصالح محددة.

لكن التاريخ يُعلمنا أن مثل هذه الحملات، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن توقف التحولات الكبرى. قد تؤخرها، قد تشوش عليها، لكنها لا تستطيع أن تلغيها. لأن التغيير الحقيقي لا يصنعه الإعلام، بل تصنعه الإرادة السياسية والاجتماعية التي تتراكم ببطء حتى تصل إلى نقطة التحول.

وفي هذا السياق، فإن موقف السلطان أحمد دينار يمكن قراءته كجزء من هذا التراكم. فهو ليس حالة منفردة، بل تعبير عن تيار أوسع يبحث عن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهذا ما يجعل استهدافه جزءًا من معركة أكبر، تتجاوز الأشخاص إلى الأفكار والمشاريع.

إن القوى التي تحاول اليوم تشويه هذا المسار تدرك جيدًا أنها تواجه لحظة تاريخية مختلفة. ولذلك، فإنها تلجأ إلى أدواتها التقليدية، لكنها تفعل ذلك بدرجة أعلى من الانفعال. وهذا الانفعال في حد ذاته مؤشر على ضعف، لا على قوة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل يمكن لحملات التشويه أن تغيّر مسار مشروع سياسي؟ الإجابة التي يقدمها الواقع هي لا. لأن المشاريع التي تستند إلى مطالب حقيقية لا يمكن إسقاطها عبر الحملات الإعلامية، مهما كانت مكثفة.

إن ما يحدث اليوم ليس سوى فصل من فصول صراع طويل بين مشروعين: مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الماضي، ومشروع يحاول بناء المستقبل. وفي هذا الصراع، لا تُحسم المعركة بالكلمات وحدها، بل بالمواقف التي تصمد أمام العواصف.

ومن هنا، فإن الضجيج الذي يُثار حول السلطان أحمد دينار لا يجب أن يُقرأ كضعف، بل كدليل على أن هناك شيئًا حقيقيًا يتحرك. فكلما اشتدت حملات الشيطنة، كان ذلك مؤشرًا على أن المسار الذي يسير فيه أقرب إلى تحقيق اختراق فعلي في بنية الدولة السودانية.

إن الطريق نحو تأسيس دولة عادلة لن يكون سهلًا، ولن يخلو من محاولات الإعاقة والتشويه. لكن التاريخ لا يكتب بالضجيج، بل بالثبات. والثبات هو ما يحدد في النهاية من الذي كان على صواب، ومن الذي كان مجرد صدى لمرحلة آيلة إلى الزوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!