رأي

هل تفاوض الجيش مع الدعم السريع في واشنطن يعدُّ تعاوناً يستوجب الإعدام؟

إيمان بدر الدين .. الولايات المتحدة

 

إيمان بدرالدين 

أصدرت كتائب ومليشيات الجيش، باسم القانون، أحكامًا بالإعدام على مواطنين اتهمتهم بـ«التعاون مع الدعم السريع». ومع ذلك، نسمع اليوم عن مساعٍ يقودها الجيش إلى واشنطن للجلوس والتفاوض مع ذات الدعم السريع — الجهة التي شرّع وجودها بتغيير دستور القوات المسلحة. لم تقتصر المسألة على ذلك فحسب؛ فقد صرحت قيادات عسكرية في وقتٍ سابق بأن الدعم السريع «جزء أصيل من الجيش السوداني»، وهذا قبل أن تخرج القوات المسلحة وتصف الدعم السريع بأنه «مليشيا» بعدما اندلعت الحرب، موقفٌ يحرج المبررات التي سعت لتبرير تعديل دستور جيشٍ تجاوز عمره المئة عام.

كيف نفسر تناقضًا صارخًا بين إعلان «التعاون مع الدعم السريع» جريمةً تستوجب الإعدام، وبين أن يكون نفس الجيش من يجلس للتفاوض مع من اعتُبِرَ سببًا في تعديل دستور المؤسسة العسكرية؟ هذا تناقض يضعنا أمام جريمة مؤسساتية من نوعٍ آخر، ويستدعي مساءلةً أخلاقية وقانونية. لا يمكن لجيشٍ يدَّعي قيادة الدولة أن يقنن لنفسه القتل والتجريم ثم يذهب ليتفاوض مع الطرف نفسه كما لو لم يحدث شيء.

من سيُحاسَب على عمليات الإعدام؟ هل ستكون المحاسبة على عاتق الجيش، باعتباره الجهة التي سنّت وطبّقت هذه القوانين وأمرت بتنفيذها؟ أم أن السؤال سيبقى معلقاً بينما تمضي المفاوضات وتُغلق الملفات دون مساءلة؟ كيف نعوِّض أسر الضحايا عن جرائم أصدرت بحقهم أحكامًا قاسية انتقامًا من موقف سياسي يشارك فيه الطرفان الآن طاولة المفاوضات؟

ولم تقتصر الانتهاكات على الإعدام وحده؛ فقد شملت الاعتقال والتنكيل بقيادات المجتمع المحلي الذين تحدثوا إلى الدعم السريع حينما دخلت تلك القوات لحماية أهلهم بعد انسحاب الجيش أو تلاشي حضوره. اعتُبر هؤلاء «متعاونين» فسُجنوا، بينما استمرت جماعات مسلحة في ارتكاب مجازر بحق مواطنين في مناطق مثل شمال كردفان، حيث قُتل مواطنون وعرّيت جثثهم وفتحت بها شوارع المدن — مشاهد تقشعر لها الأبدان.

بعد كل ذلك، هل سيُقدِم المواطنون على «قصاص» مماثل في حال أعاد الجيش وأطراف أخرى إنتاج العنف أو التعاون الذي كان سببًا في مآسي سابقة؟ أم أن ثمن هذه التناقضات سيكون مزيدًا من الإحباط والانتقام والتفكك المجتمعي؟ السؤال يبقى مفتوحًا أمام كل من ينادي بشعار «جيش واحد، شعب واحد» في مواجهة جرائمٍ من هذا النوع.

إنّ الحفاظ على الدولة ومؤسساتها يمرّ عبر احترام القانون، ومساءلة من ارتكب جرائم، وضمان حقوق المتضررين، لا عبر تبرير التناقضات أو تجاهلها. فإذا كان ثمن التفاوض هو السكوت عن المظالم، وغض الطرف عن دماء الأبرياء، ومكافأة من تلطخت أيديهم بالجرائم، فإن الشعب هو من سيدفع الثمن — ثمن العدالة الغائبة، والوطن الممزق، والضمير الصامت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!