
المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد
تاريخٌ طويلٌ من المعونات
في الفترة التي حكم فيها الرئيس جمال عبد الناصر مصر، التي امتدت لقرابة العشرين عامًا، حصلت مصر على وضعيةٍ متميِّزةٍ في العالم العربي. فقد نال الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، ما يمكن أن نطلق عليه صفة “الزعيم العام” للعالم العربي. نال جمال عبد الناصر تلك الوضعية عبر خطبه النارية التي استهدفت إيقاظ الشعور القومي، وخوضه حرب القنال عقب تأميمه قناة السويس، ثم توعده المستمر لإسرائيل بالمواجهة العسكرية. وقد ساعدته في كل أولئك حالة الحرب الباردة القائمة آنذاك، ودعم الاتحاد السوفييتي له، إلى جانب ما رسَّخه الإعلام المصري في الذهن العربي من أن الاتحاد السوفيتي هو صديق الشعوب المضطهدة، وحاميها.
في تلك الفترة كانت دول الخليج محمياتٍ بريطانيةٍ وكان اليمن الجنوبي محميةً بريطانية، أيضًا، وكان هجوم إعلام عبد الناصر منصبًّا على السعودية بوصفها بؤرةً رجعية وأنها وكيلة الامبريالية والاستعمار الغربي في المنطقة. لكن، عقب الهزيمة الساحقة التي تلقتها الجيوش العربية، وعلى رأسها الجيش المصري في حرب 1967، جرى مؤتمر الخرطوم وحدث فيه الصلح بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز. ومنذ تلك الانعطافة التاريخية شرعت السعودية وغيرها من الدول العربية في تقديم العون المالي لمصر. ويمكن القول إن السنوات القليلة التي سبقت وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والسنتين اللتين أعقبتا وفاته، وأيلولة السلطة للرئيس أنور السادات، قد شهدت العديد من التحولات الكبيرة في الساحة العربية.
من التحولات التي جرت، آنذاك، سيطرة أحزاب البعث على كل من العراق وسوريا. وكان ذلك بين نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. كما شهدت بداية عقد السبعينيات استقلال اليمن الجنوبي وكل المحميات البريطانية في الخليج من الوصاية البريطانية. في نفس تلك الفترة، أيضًا، حدث انقلاب جعفر نميري في السودان على النظام الديمقراطي، وحدث انقلاب العقيد معمر القذافي على النظام الملكي في ليبيا. واصطف كلٌّ من نميري والقذافي وراء ناصر بقوة، حتى أوشك ثلاثتهم على إقامة وحدة ثلاثية تضم كلًّا من مصر والسودان وليبيا. لكن، بموت جمال عبد الناصر، ومحاولة الشيوعيين السودانيين الانقلاب على نظام جعفر نميري في السودان، تحول نميري ليصبح قريبًا من السادات، الذي كان قد بدأ الانقلاب على توجهات عبد الناصر اليسارية، ليصبح حليفًا للغرب. وبسبب ذلك، ابتعد القذافي عن كلٍّ من مصر والسودان، منتهجًا خطًا يساريًا، راديكاليًا، وناصب كلاًّ من السادات ونميري العداء. وقادت انعطافة أنور السادات نحو الغرب إلى توقيعه اتفاقية كامب ديفيد مع الإسرائليين في عام 1978.
الشاهد، أن التوجه غربًا وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد جلبا عونًا لمصر كانت في أمس الحاجة إليه. يقول عبد الحافظ الصاوي، بعد توقيع مصر لاتفاقية السلام مع إسرائيل “كامب ديفيد” في نهاية سبعينيات القرن العشرين، تعهدت أمريكا بتقديم معونة اقتصادية وفنية لمصر وإسرائيل، وحصلت مصر، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، من المعونة الأمريكية، على قرابة أربعين مليار دولار، تضمنت مشروعات للبنية الأساسية والمعونات الغذائية. هذا، فضلًا عن المعونة العسكرية المقدمة لمصر سنويًّا، بحدود مليار دولار، وكانت تأتي في شكل أسلحة ومعدات عسكرية من أمريكا.
يمكن أن نخلص مما تقدم أن مصر دولة غارقة في الديون، وتعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة. وكل فترات حكمها منذ الثورة المصرية في خمسينيات القرن الماضي، التي أدارها الجيش، لم تفلح في أن تضع البلاد في طريق النمو والازدهار المعافى. ظلت الأنظمة المصرية تعيش على إدعاء زعامةٍ للعرب غربت شمسها. وهي زعامة صنعها جمال عبد الناصر في ظرفٍ كان حينها مواتيًا لخلق صورة الزعيم البطل الأوحد. والآن، فإن مصر والسودان دولتان تعيشان أزمةً مزمنةً ممتدةً، وكلتاهما مرزوءتان بالحكم العسكري الأوليغاركي الكليبتوقراطي. تملك الدولتان معًا مقومات دولتين كبيرتين يمكن أن تكونا متعاونتين متآذرتين مقتدرتين وليستا بحاجةٍ إلى تسوُّل المعونات. غير أن العسكرية الأوليغاركية أقعدت الدولتين، بل وجعلتهما حربًا على بعضهما، خاصة من جانب مصر التي ظلت تعمل على طول المدى على إضعاف الدولة السودانية بغرض الهيمنة عليها. لو جرى تصحيح هذا الوضع وقام التعاون بين الدولتين على أساسٍ معافى من هذه الأمراض المزمنة لأصبح حال الدولتين مختلفًا تمامًا مما هو عليه اليوم.
صفقة إعادة الإعمار والهجمة الأخيرة
انتشرت في الأسابيع الماضية في وسائط التواصل الاجتماعي السودانية حلقة فيديو مصوَّرة من إنتاج شخصٍ مصريٍّ اسمه محمد أبو عاصي. قدَّم هذا الشخص نفسه للمشاهدين بأنه “صحفي اقتصاد”. وقد وصف المحتوى الذي سوف يبثه في المقدمة التي استهل بها التسجيل، بأنه مبني على تسريباتٍ “من كواليس المطبخ ومراكز صنع القرار”، وأنه يتعلق بصفقةٍ ضخمةٍ لإعادة إعمار السودان. وأضاف، أن هذه التسريبات وصلته في رسالةٍ من سيدةٍ تُدعى داليا أحمد. وقد وضح من حديثه عنها أنها مطلعةٌ على ما يجري خلف الكواليس. وفحوى التسريب أن مصر والإمارات والكويت والسودان منخرطةٌ في لقاءاتٍ سرية بخصوص صفقة لإعادة إعمار السودان. وذكر أبو عاصي أن وفدًا حكوميًّا سودانيًا رفيعًا زار القاهرة في هذا الخصوص، وأن لقاءاتٍ متتاليةً رفيعة المستوى تضم وزراء سودانيين وشخصيات سيادية ظلت تجري مع مماثليهم من المصريين لهذا الغرض. وذكر أبو عاصي أن السعودية سوف تنضم قريبًا إلى هذه الصفقة التي تنخرط فيها في الوقت الحالي كلٌّ من مصر والإمارات والكويت والسودان.
اختار محمد أبو عاصي لهذا الفيديو عنوانًا يقرأ: “مصر تطلق العملاق أقصى الجنوب.. ما الذي يجري سرًّا في جنوب مصر”. وأشار أبو عاصي أن هذه اللقاءات محاطةٌ بسريِّةِ كبيرة، مع أنه قد كشف أمرها للملأ وبحماسٍ دافقٍ في هذا الفيديو الذي بثه! وأضاف قائلاً إن فريقًا مصريًا متكاملاً قد تحرَّك إلى منطقة حلايب وشلاتين. (وحلايب وشلاتين أرضٌ سودانية احتلتها مصر). وقال إن مصر أطلقت “عملاقها” هناك، ويعني به الجيش المصري وأذرعه المتمثلة في شركاته المختلفة. وسيقوم الجيش مع شركات القطاع الخاص بمهمة تطوير البنى التحتية في تلك المنطقة تمهيدًا لجعلها المنصة اللوجستية التي سوف تنطلق منها جهود إعادة إعمار السودان.
ذكر أبو عاصي، أن ما يجري في حلايب وشلاتين وأبو رماد، مهمةٌ وطنيةٌ غرضها تحقيق الاستقرار لمصر وتأمين العمق المصري، بالإضافة إلى الفوائد التي سوف يجنيها رجال المال والأعمال. ولكي تصبح منطقة حلايب وشلاتين منصةً مكتملةً وقادرة على إطلاق جهود إعادة إعمار السودان، قامت مصر، في البدء، بإنشاء شبكةٍ عملاقةٍ من الطرق السريعة ومن خطوط السكك الحديدية، وأن تلك الشبكة قد وصلت فعلاً إلى منطقة حلايب وشلاتين. وقال أبو عاصي إن محطةً عملاقةً للقطارات يجري إنشاؤها هناك لربط حلايب وشلاتين بالعمق المصري شمالا. وأن شبكة الطرق والسكك الحديدية لن تقف عند منطقة حلايب وشلاتين، وإنما ستتعداها إلى داخل الأراضي السودانية. كما أن المعابر الحدودية بين البلدين في هذه المنطقة قد اكتمل تجديدها. وبالإضافة إلى محطة السكة الحديد فهناك خطةٌ لإقامة 4 موانئ جافة ومحطة ضخمة للحاويات لنقل البضائع إلى السودان. كما ذكر أبو عاصي أن مصر أنشأت عشرة صوامع للغلال كدفعة أولى، وسيتم إنشاء المزيد منها، لأن التخزين أصلاً بغرض التصدير. كما يجري انشاء محاجر بيطرية ومجازر للمواشي التي سوف تأتي من السودان. كما أن هناك نهرًا صناعيًا يجري إنشاؤه في الصحراء الغربية غرب توشكي. وبناءً على ذلك فاوضت كلٌّ من الكويت والإمارات الحكومة المصرية وحصلت كلتاهما، بالفعل، على أراضٍ زراعيةٍ في تلك المنطقة.
وذكر أبو عاصي في مكانٍ آخر أن مصر تسلَّمت من السودان في أقل من شهرين ونصف 13 طنًا من الذهب وأن جزءًا من هذه الكمية وصلت إلى البنك المركزي لدعم لحتياطات مصر. وأضاف أنها تسلَّمت أيضًا خمسة أطنانٍ أخرى من الذهب، مؤكدًا أن هذه الكمية ليست هي كل ما ستتسلمه مصر من السودان. فهناك كمياتٌ إضافيةٌ سوف تصل إلى مصر لاحقًا. وقال إن مصر ستبني سدًّا على غرار السد العالي، ولكن ليس في مصر. لكنه لم يحدد أين يقع هذا السد.
مصر تحصل على المقاولة بلا مناقصة
من اللافت في حديث أبو عاصي قوله إن مشروع إعمار السودان قد مُنح لتطلع به مصر بلا مناقصة. ويتطابق هذا ما سبق أن ذكرناه استنادًا على ما أورده موقع “تحيا مصر”. وذكر أبو عاصي أن سبب منح مصر مهمة إعادة إعمار السودان بلا مناقصة هو أن المهمة عاجلةٌ ولذلك تجري الترتيبات في هذا الشأن بسريةٍ تامةٍ حتى تكتمل كل البنيات الضرورية لهذا المشروع ثم يظهر للناس كحقيقةٍ مجسدة. وذكر بالإضافة إلى ذلك، وهذه أغرب من سابقتها، أن سبب تولي مصر للموضوع أن السودان محاصرٌ بالعقوبات ولا يستطيع التعامل في السوق الدولية. ولهذا السبب أخذت مصر زمام الأمور في يدها وانخرطت في القيام بهذه المهمة نيابةً عن السودان. (تكبير الفنط ووضع الخط تحت الأسطر من عمل المؤلف). ولابد هنا من تذكير القارئ الكريم بتطابق هذا مع ما سبق أن ذكرناه من قبل، من أن النظام المصري ظلَّ حريصًا على استمرار العقوبات الدولية على السودان. فقد كان مندوبه يصوِّت مع مقترحات تمديد العقوبات على السودان، وأن السبب وراء ذلك هو إعاقة نمو السودان. وكذلك، الحؤول بين السودان وبين التعامل المباشر مع العالم، من أجل أن يصبح النظام المصري هو وكيله في ذلك. وها هو محمد أبو عاصي يؤكد هذه الحقيقة بلا مواربة، بل، وبلا أي شعور بالاستغراب. فمصر وفقًا لما قاله أبو عاصي قد وضعت السودان وهي تنخرط في الخفاء في الاستحواذ على ما أسماها هو “صفقة إعادة إعمار السودان”، في قبضتها بالكلية وأصبحت وصيته بقرارٍ منها. ويبدو أن مصر قد استطاعت تسويق وصايتها على السودان على الدول الخليجية الممولة لمشروع الإعمار. والأدهى والأمر، أن سلطة بورتسودان غير الشرعية قد رضخت لهذا الأمر رضوخًا تامًا. فقد صرح وزير الخارجية السوداني علي يوسف لقناة “العربية” بأن حكومته تتواصل مع السعودية ومصر والكويت وقطر، من أجل إعادة الإعمار وهو ما يؤكد تسريبات أبو عاصي.
سودانيون يساندون الهيمنة المصرية
في نفس هذا السياق ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” أن سودانيين مقيمين في القاهرة اقترحوا منح الأولوية للشركات المصرية، للمساهمة بشكل موسَّعٍ في عمليات “إعادة الإعمار”، بعد انتهاء الحرب. ولنا أن نتساءل هنا لماذا يقترح هؤلاء منح الأولوية للشركات المصرية في عملية إعادة إعمار السودان؟ فهذا مقترح غير راشد بل ومغرض وغير قانوني لأن من تقوم به حكومة غير منتخبة!! بل إن مصر طرفٌ في النزاع القائم الآن في السودان. كما أن قرار منح الأولوية بل والسيطرة على إدارة المشروع قرارٌ سياسيٌّ وليس قرارًا إداريًا سليمًا. فهو يجري من وراء الإرادة الشعبية السودانية! وقد أشار “مركز التكامل السوداني المصري”، وهو مؤسسة مصرية سودانية مقرها القاهرة إلى: “بدء شركات مصرية تنفيذ بعض الأعمال حاليًا، من بينها تأهيل بعض الكباري في الخرطوم”. وأضافت الصحيفة أن مصر والسودان قد اتفقتا على تشكيل “فريق مشترك لدراسة خطة إعادة الإعمار والتجارب الدولية لتحقيقها”. وقد جرى ذلك خلال مشاوراتٍ سياسية، جمعت وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره السوداني علي يوسف الشريف، في القاهرة نهاية فبراير (شباط) الماضي. وذكر مدير “مركز التكامل السوداني المصري”، عادل عبد العزيز، لـصحيفة “الشرق الأوسط” أن شركات مصرية بدأت في صيانة وإعادة تأهيل اثنين من الكباري وهما شمبات والحلفايا. وأن ذلك يجري مع تقدُّم الجيش السوداني أخيرًا، واستعادته مناطق حيوية.




