رأي

دلقو تفضح ازدواجية المعايير في تعريف المواطن 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الأوطان لا تنهار حين تُحتل… بل حين تُقسَّم في وجدان أبنائها

ما حدث في دلقو ليس واقعة عابرة في سياق حرب، بل لحظة كاشفة سقطت فيها كل الأقنعة دفعة واحدة. لحظة أثبتت أن الأزمة في السودان لم تعد مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل خلل عميق في تعريف الوطن نفسه، وفي معنى الانتماء إليه. حين يُرفض نازح سوداني داخل بلده، لا لأنّه أجنبي، بل لأنه “لا يشبه”، فإننا لا نكون أمام أزمة نزوح، بل أمام انكسار كامل لفكرة المواطنة.

أكثر من 12 مليون سوداني نزحوا داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. هؤلاء لم يطلبوا سوى حقهم الطبيعي في الأمان. وبينما فتحت لهم دول الجوار حدودها دون اعتراض يُذكر، ومنحتهم مساحة لإعادة بناء حياتهم ومجتمعاتهم، وجد بعضهم داخل السودان نفسه أمام جدران الرفض، مغطاة بخطاب يبدو سلمياً، لكنه في جوهره يحمل ملامح تمييز عنصري واضح.

الخطير في هذه اللحظة ليس فقط الرفض، بل اللغة التي بُني عليها. حديث عن “اختلاف ثقافي” و”تغيير ديمغرافي” ليس بريئاً، بل هو التعبير الأكثر تهذيباً عن نزعة إقصائية ترى في الآخر تهديداً لا مواطناً. هنا يتجلى التمييز العنصري في صورته الأشد خطورة: حين يُمارس بهدوء، ويُبرَّر اجتماعياً، ويُمنح غطاءً أخلاقياً زائفاً.

ما تكشفه هذه الواقعة بوضوح هو أن المواطنة لم تعد هي الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق والواجبات. لم يعد السودان فضاءً متساوياً لكل أبنائه، بل صار، في وعي بعض مكوناته، مساحة انتقائية، يُقبل فيها البعض ويُرفض فيها آخرون وفق معايير غير عادلة. وهذا وحده كافٍ للقول إن فكرة الدولة الوطنية، بصيغتها الحالية، قد تعرضت لانهيار حقيقي.

الأكثر قسوة من ذلك هو التناقض الصارخ في السلوك الجمعي. ذات المجتمعات التي التزمت صمتاً مدهشاً تجاه التغول المصري على أراضيها في الإقليم الشمالي، ولم تُظهر ذات الحساسية في الدفاع عن السيادة الوطنية، تقف اليوم بحدة غير مسبوقة ضد إقامة معسكرات إيواء لمواطنين سودانيين. هذا التفاوت لا يعكس فقط ازدواجية في المعايير، بل يكشف خللاً عميقاً في تعريف الخطر، وفي تحديد من هو “الآخر” الذي يستحق الرفض أو القبول.

لقد عرّت هذه الحرب كثيراً من الزيف، وأسقطت الشعارات التي طالما تغنّى بها السودانيون عن الوحدة والتنوع. تبين أن تلك الشعارات لم تكن راسخة كما ظُن، بل كانت هشة، تنهار عند أول اختبار حقيقي. وحين يصبح التنوع ذريعة للإقصاء، فإننا لا نكون أمام أزمة طارئة، بل أمام بنية عنصرية كامنة، أعادت إنتاج نفسها في لحظة ضعف الدولة.

ما حدث يؤكد بوضوح أن السودان، في شكله الراهن، لم ينجح في تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية. بل ظل أسيراً لإرث طويل من التمييز، أعاد تشكيل نفسه عبر الزمن، حتى وصل إلى هذه اللحظة التي لم يعد فيها ممكناً إنكار الحقيقة: أن الدولة نفسها، في بنيتها، تحمل اختلالاً جوهرياً.

من هنا، فإن أي حديث عن معالجة الأزمة دون الذهاب إلى جذورها هو تكرار للفشل. المطلوب ليس إدارة تداعيات النزوح، بل إعادة تعريف السودان نفسه. إعادة تعريف تقوم على بناء عقد اجتماعي جديد، يضع المواطنة في مركز المعادلة، ويعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة على أساس العدالة لا الامتياز.

هذه ليست دعوة نظرية، بل ضرورة فرضها الواقع. ضرورة تم تناولها بوضوح في مواثيق تحالف السودان التأسيسي، التي سعت إلى تفكيك جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بوصف أعراضها. تلك المواثيق قدمت رؤية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، عادلة ومستدامة، تتجاوز إرث التبعية والانقسام، وتؤسس لدولة تعترف بجميع مكوناتها دون تمييز.

إن تجاهل هذه الرؤية يعني ببساطة الإبقاء على نفس البنية التي أنتجت الأزمة، وإعادة تدويرها بأشكال مختلفة. وهو ما يعني أن ما حدث لن يكون الأخير، بل مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانهيارات المتكررة.

في جوهر الأمر، لم تعد الأزمة في الأطراف، بل في المركز ذاته: في تعريف الوطن، وفي معنى أن تكون مواطناً. وإذا لم يُعاد بناء هذا التعريف على أسس جديدة، فإن كل محاولات الإصلاح ستظل سطحية، عاجزة عن إحداث أي تحول حقيقي.

السودان اليوم أمام مفترق طرق  إما أن يعيد تأسيس نفسه كدولة تقوم على المساواة والعدالة، أو أن يستمر في الانحدار نحو مزيد من التفتت، حيث يتحول الوطن إلى مجرد جغرافيا بلا معنى، تتنازعها الهويات الضيقة والانتماءات المتصارعة.

وما بين هذين الخيارين، لا توجد منطقة رمادية. فقط قرار حاسم: إما مواجهة الحقيقة… أو الهروب منها بثمن لن يحتمله أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!