رأي

استراتيجيات الشيطان؛ الاستثمار في تدنّي وعي الهامش (1-3) ثنائية: عرب في مواجهة الزرقة

عباس احمد السخي

 

 عباس أحمد السخي

ليس أخطر على الدول من الفشل، سوى الإصرار على إعادة إنتاجه بوصفه قدرًا محتومًا لا فكاك منه. تلك هي المعضلة السودانية في جوهرها: نظام سياسي ظلّ، لعقود، يتشبث بنموذج دولة ما بعد الاستعمار، لا لأنه صالح أو قابل للحياة، بل لأنه الحارس الأمين لامتيازات تاريخية صيغت في سياق استعماري منحاز، وأُلبست لاحقًا ثوب “الشرعية الوطنية”.

إن الإصرار على استدامة نموذج السودان القديم – رغم عجزه البنيوي عن تحقيق الحد الأدنى من التوازن والاستقرار والتنمية – لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل كان خيارًا واعيًا لإجهاض أي مشروع بديل يقوم على العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، ورد الاعتبار للهامش الذي ظل لعقود وقودًا للحروب ومخزونًا للاستنزاف.

في دار فور، تبرز إحدى أخطر أدوات هذا النموذج: استراتيجية “فرّق تسد”، التي لم تكتفِ بإدارة الانقسامات، بل أعادت هندسة المجتمع السوداني على أسس مصطنعة وهشة، كان أبرز تجلياتها اختزال الواقع المعقد في ثنائية ساذجة وخطيرة: “عرب وزرقة”. وذلك من خلال؛

أولاً: هندسة الصراع – من التعايش المركّب إلى الثنائية القاتلة

لم يكن مصطلح “عرب وزرقة” جزءًا من القاموس الاجتماعي لدارفور قبل انقلاب 30 يونيو 1989، بل جرى تصنيعه سياسيًا كأداة فرز واستقطاب، هدفها تفكيك النسيج الاجتماعي وإعادة تركيبه وفق منطق الصراع لا التعايش.

فدارفور، بتاريخها الطويل، لم تكن فضاءً لثنائيات صلبة، بل ساحة لتداخلات اجتماعية وثقافية واقتصادية معقدة، حيث تتقاطع الهويات وتتداخل المصالح. غير أن السلطة، حين وقعت في قبضة المشروع الأيديولوجي، لم تكن معنية بإدارة هذا التنوع، بل بتوظيفه وتحويله إلى أداة ضبط وسيطرة.

هكذا جرى اختزال مجتمع متشابك إلى معسكرين متقابلين، في عملية تبسيط فادح لا تستند إلى علم ولا تاريخ، بل إلى حاجة السلطة لإنتاج صراع يمكن التحكم في إيقاعه وحدوده. لم يكن الهدف إنهاء النزاع، بل صناعته، ثم احتكاره.

وفي هذا المناخ المشحون، لم يكن غريبًا أن تتكاثر الحركات المسلحة، وأن تتخذ مسارات متشابكة بين التمرد والتوظيف. فبعض هذه الحركات – مثل “العدل والمساواة” – خرجت من رحم البنية ذاتها التي أنتجت الأزمة، لتلعب أدوارًا مزدوجة بين المعارضة وإعادة تدوير الصراع ضمن سقوف لا تمس جوهر المركز. إلى جانبها برزت حركات أخرى، في مشهد تتداخل فيه المطالب العادلة مع حسابات القوة والتموضع.

لقد استهدفت هذه الحركات، في مراحل مختلفة، مكونات عربية داخل الإقليم، غير أن هذا الاستهداف لم يكن – كما روّجت آلة الدعاية الرسمية – مشروعًا لإقصاء “العرب”، بل كان انعكاسًا لصراعات تاريخية حول الأرض (الحواكير) ومسارات الرعي، جرى تضخيمها وتسييسها، ثم إعادة تغليفها بخطاب إثني حاد. وهنا تكمن الخطورة القصوى: تحويل نزاعات الموارد إلى حروب هوية صفرية.

ثانيًا: الدولة كمهندس للحرب لا كحَكَم

منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، انتقلت الدولة السودانية من موقع الحكم إلى موقع الطرف. لم تكن وسيطًا محايدًا، بل لاعبًا مباشرًا في صناعة الصراع وتأجيجه.

فقد اعتمدت، بشكل منهجي، على تسليح وتمويل وتدريب أطراف قبلية – من الجنجويد إلى حرس الحدود وصولًا إلى قوات الدعم السريع – في إطار استراتيجية واضحة: إدارة الحرب بالوكالة.

هذه السياسة لم تعمّق الانقسام فحسب، بل راكمت مظالم تاريخية، وزرعت ألغامًا اجتماعية قابلة للانفجار في أي لحظة، ونسفت ما تبقى من جسور الثقة بين مكونات الإقليم. وهكذا تحوّلت المصالحة إلى فكرة هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي.

ثالثًا: لحظة الانتباه ومحاولة كسر الحلقة

بعد سقوط نظام عمر البشير، برز إدراك لدى بعض الفاعلين بخطورة استمرار هذه الثنائية المدمرة. فالصراع المصطنع بين “عرب وزرقة” لم يكن سوى استنزاف مفتوح، بلا أفق سياسي أو إنساني.

في هذا السياق، ظهرت محاولات لكسر الحلقة الجهنمية عبر الدفع نحو مصالحة شاملة تعيد تعريف العلاقة بين مكونات دارفور خارج قوالب الاستقطاب الإثني. وشكّلت اللقاءات السياسية بين بعض قادة الإقليم خطوة أولية في هذا الاتجاه، تُوّجت باتفاق جوبا للسلام، الذي سعى – نظريًا – إلى إعادة بناء الحد الأدنى من الثقة، ودمج الحركات المسلحة في بنية الدولة.

غير أن هذه المحاولة اصطدمت بجدار الدولة العميقة، التي رأت في أي تقارب بين مكونات الهامش تهديدًا مباشرًا لمنظومة الهيمنة التي راكمتها عبر عقود. فجاء الرد عبر تفكيك هذا التقارب، وإعادة ضخ عوامل التوتر، حتى لو كان الثمن إعادة إشعال الفوضى.

رابعًا: فشل الاستراتيجية… وإدمان تكرارها

المفارقة الصارخة أن هذه الاستراتيجية – رغم كلفتها البشرية والسياسية الهائلة – فشلت في تحقيق هدفها الأساسي: بناء سيطرة مستقرة. بل إن بعض رموز النظام أنفسهم أقروا لاحقًا بعجزها.

ومع ذلك، لم تُطوَ هذه الصفحة، بل جرى تدويرها بأشكال جديدة، في سلوك يكشف أن القضية لم تكن يومًا بناء دولة، بل تعطيل أي إمكانية لبنائها خارج معادلة الاحتكار والإقصاء.

اخيراً؛ إن ثنائية “عرب في مواجهة الزرقة” ليست توصيفًا لواقع، بل أداة لصناعته. وقد نجحت، إلى حد بعيد، في تفكيك دارفور وتحويلها إلى مسرح لصراع دائم تُدار فيه الأزمات بدل أن تُحل.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها بذور انهيارها؛ فهي تُنتج فوضى تتجاوز قدرة صانعيها على التحكم، وتراكم وعيًا مضادًا لدى ضحاياها، يدفعهم – حتمًا – إلى البحث عن أفق جديد خارج هذه المعادلة المختلة.

وفي الحلقة الثانية، ننتقل إلى تفكيك الكيفية التي أُجهضت بها محاولات رتق النسيج الاجتماعي، وكيف تحوّلت المصالحات من فرصة تاريخية إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الصراع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!