
نجم الدين دريسة
تُعد الأزمة السياسية في السودان من أعقد النزاعات في القارة الأفريقية، إذ ألقت الحروب المتتالية بظلال كثيفة على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ومع اشتداد الحرب الحالية، تبدو البلاد غارقة في كارثة غير مسبوقة، حيث خلفت هذه الحرب خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وتسببت في معاناة ملايين المدنيين، وإهدار فادح للموارد، في ظل اتساع نطاق القتال وتدهور المشهد الإنساني.
ورغم تعدد المبادرات والجهود المحلية والإقليمية والدولية، لم تُفلح أي منها في إحداث اختراق حقيقي على مسار الأزمة، منذ انطلاق منبر جدة في مايو 2023 برعاية سعودية أمريكية. فقد تمخضت تلك الجهود عن “إعلان جدة” الذي نص على وقف العدائيات وحماية المدنيين، إلا أنه اصطدم بعراقيل وضعتها جماعة الإخوان المسلمين التي كانت حاضرة في مفاصل الجيش ومراكز اتخاذ القرار، وسعت منذ البداية إلى إفشال الإعلان عبر عناصرها النافذة داخل المؤسسة العسكرية.
وفي جولة جدة الثانية في نوفمبر 2023، اشتدت ضغوط الجماعة خاصة بعد أن نصت الوثيقة صراحة على تسليم المتهمين من الإسلاميين إلى محكمة العدل الدولية. تبع ذلك رفض الجماعة المتكرر لاتفاقي المنامة وجيبوتي، ومقاطعتها لاجتماع جنيف، ما كشف عن حجم السيطرة التي تمارسها داخل الجيش السوداني، وهو جيش ظل يعاني من انقسام الولاءات بين خطف الإسلاميين لمؤسساته وخضوعه للنفوذ المصري، الأمر الذي جعله عاجزًا عن التعاطي بجدية مع أي مبادرة لوقف الحرب.
لكن المشهد قد يشهد تحولًا نوعيًا هذه المرة، في ظل مبادرة جديدة تبلورت على طاولة الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، التي يبدو أنها قررت تحريك الملف السوداني ضمن أولوياتها الاستراتيجية. ويأتي هذا التوجه الأمريكي في أعقاب التحولات الكبيرة التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية الإيرانية، والتدخل الأمريكي المباشر لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وهو ما أعاد ترتيب أولويات واشنطن في المنطقة، خاصة على مستوى تأمين البحر الأحمر، واحتواء النفوذ الإيراني والروسي في القرن الأفريقي.
في ضوء هذا التطور، تزداد احتمالات نجاح المبادرة الأمريكية لوقف الحرب، خصوصًا مع التدهور الإنساني الواسع، والقدرة السياسية والدبلوماسية لواشنطن على فرض شروط السلام، خاصة أن ترامب تعهد في أكثر من مناسبة ببسط السلام في منطقة الشرق الأوسط مع عودته إلى البيت الأبيض.
ويُتوقع أن تعتمد هذه المبادرة الجديدة على مقاربة تشبه اتفاق المنامة الذي وُقّع سابقًا بين الفريق شمس الدين كباشي (نائب القائد العام للجيش) وعبدالرحيم دقلو (نائب قائد قوات الدعم السريع)، قبل أن يتنصل الجيش منه تحت ضغط جماعة الإخوان. وقد تضمّن الاتفاق 22 بندًا أبرزها: تشكيل جيش وطني مهني غير مسيّس، يضم القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة، وتسليم المطلوبين إلى محكمة العدل الدولية، وتفكيك نظام الإسلامويين، والاعتراف بأن الأزمة السودانية ذات أبعاد أمنية وسياسية واجتماعية وثقافية، إضافة إلى التأكيد على أن الشعب هو مصدر السلطة، ومحاربة العنصرية وخطاب الكراهية، وتطبيق العدالة الانتقالية.
ورغم أن المبادرة الرباعية وشركاءها لا تبدو بعيدة عن هذه الرؤية، فإن التحدي الأبرز يظل في كيفية فصل الإسلاميين عن مؤسسة الجيش التي ظلت مختطفة لأكثر من ثلاثة عقود.
ورغم تعقيد المشهد وتشابك خيوطه، فإن تطلعات الشعب السوداني تظل معلّقة بأي مبادرة حقيقية تضع حدًا لمعاناته الطويلة، وتفتح نافذة أمل نحو سلام عادل وشامل يُنهي سنوات النزيف والدمار.




