رأي

سيارة البرهان: مكافأة سياسية أم إضعاف لمؤسسات الدولة الرسمية؟

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في الدول التي تُدار بالمؤسسات، تُمنح الأوسمة وفق لوائح، وتُسلّم المكافآت عبر قنوات رسمية، ويُفصل بين الدولة والحاكم. أما في مشهدنا، فحتى سيارة رئاسية يمكن أن تتحول إلى رسالة سياسية صريحة، تُقرأ أكثر مما تُشرح.

حين يُهدي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان سيارة رئاسية لشخصية انضمت حديثاً، فإن الفعل لا يقف عند حدود التكريم، بل يدخل مباشرة في هندسة النفوذ داخل لحظة حرب معقدة.

في كتابه “الأمير”، يقول نيكولو مكيافيلي: “الناس إما أن تُكسب ولاءهم أو تُحطمهم.”

لكن في سياقات الحروب الحديثة، يتحول الولاء إلى عملة، والرموز إلى أدوات لإعادة توزيع السلطة.

طبقة الحدث (السيارة والرمزية المباشرة)

إهداء سيارة رئاسية لا يمكن قراءته كتصرف بروتوكولي. هو يحمل ثلاث إشارات مباشرة:

شرعنة سياسية داخل منظومة القرار

مكافأة ولاء أو إعادة تموضع

فتح باب واضح لإعادة تشكيل التحالفات

السيارة هنا تتجاوز كونها وسيلة نقل، لتغدو تمثيلاً رمزياً للسلطة. هي كرسي متحرك للنفوذ، يُمنح لمن ينجح في العبور من خانة “الخارج” إلى “الداخل”.

طبقة النظام (بنية الحرب وإدارة السلطة)

ما يحدث لا يُفهم خارج سياق إدارة الحرب نفسها.

هذه ليست مواجهة تقليدية بين جيش وخصم، بل بنية أكثر تعقيداً:

شبكات ولاء متحركة

تحالفات سريعة ومؤقتة

إعادة دمج خصوم سابقين داخل منظومة القرار

بمعنى أدق: نحن أمام إدارة حرب عبر “المرونة السياسية” أكثر من الصرامة المؤسسية.

وهنا تظهر الإشكالية:

كلما زادت القدرة على استيعاب الخصوم، زادت في المقابل هشاشة البناء المؤسسي.

لأن ما يُبنى على الولاء الشخصي لا على القواعد، يبقى قابلاً لإعادة التفكيك بنفس السرعة التي تم بها تركيبه.

طبقة المقارنة (الدولة بين النموذج المؤسسي والنموذج الشبكي)

في النموذج الكلاسيكي للدولة كما عند ماكس فيبر، تقوم الدولة على احتكار منظم للقوة داخل إطار قانوني واضح.

لكن في نماذج الصراعات الداخلية، تتحول الدولة إلى شبكة نفوذ:

مركزها العلاقات لا القانون

أدواتها التحالفات لا المؤسسات

استقرارها ظرفي لا بنيوي

وهنا تصبح الرموز السياسية (مثل السيارات والمناصب) أدوات تشغيل للنفوذ، لا مظاهر دولة محايدة.

الخاتمة: الشعب خارج الحسابات… لكنه ليس خارج المعادلة

وسط هذا التشابك بين الولاء والسياسة وإعادة توزيع النفوذ، يبقى عنصر واحد خارج كل ترتيبات السلطة: الشعب السوداني.

ليس لأنه غائب، بل لأنه لا يدخل في هندسة التحالفات، ولا يُحسب عند توزيع النفوذ، ولا يُؤخذ في الاعتبار عند تقاسم السلطة.

فالتحالفات تُصنع داخل غرف القرار،

والصفقات تُدار داخل شبكات النفوذ،

والرموز تُمنح داخل دوائر السلطة المغلقة.

لكن خارج هذه الدوائر، هناك واقع لا يخضع للتصميم السياسي.

الشعب السوداني، الذي خبر الدولة في أقسى صورها، لم يعد مجرد متلقٍ للنتائج، بل قوة كامنة لا تحتاج إلى تمثيل داخل هذه البنية كي تعيد تشكيلها حين تنهار توازناتها.

فكل ما يُبنى على التحالفات المؤقتة يبقى معلقاً عليها،

أما ما يُبنى على الناس، فيبقى بعد أن تسقط التحالفات نفسها.

وهكذا، بينما تُدار السلطة بمنطق اللحظة، يبقى المجتمع هو الامتداد الذي لا يُختصر،

والقوة التي لا تُعلن نفسها داخل الطاولات، لكنها تفرض حضورها حين تتغير قواعد اللعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!