
صالح السليمي
الحلقة الثالثة: السلفيون الماضويون – حين يُختطف الدين لتجميد الحياة
إذا كان الشيوعيون والإخوان قد خاضوا معركتهم على السلطة والدولة، فإن التيار السلفي الماضوي اختار طريقًا يبدو—في ظاهره—بعيدًا عن السياسة، لكنه في جوهره أكثر خطورة على المدى البعيد: إعادة تشكيل الإنسان نفسه، لا بوصفه مواطنًا فاعلًا في زمنه، بل كائنًا معلقًا في ماضٍ متخيَّل، منفصلًا عن واقعه، عاجزًا عن التفاعل مع تعقيدات العصر. هذا التيار لا يطرح مشروع دولة بقدر ما يطرح مشروع انسحاب من الدولة؛ لا يبني مؤسسات، بل يُفرغها من المعنى؛ لا يُنتج معرفة، بل يُعيد تدوير نصوص مبتورة خارج سياقاتها، ويحوّلها إلى قيود تُكبل العقل والحياة.
أولًا: غياب النموذج – دعوة بلا أفق عملي
يتقاطع السلفيون مع الإخوان في نقطة مركزية: غياب النموذج القابل للتطبيق. غير أن السلفي الماضوي يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يكتفي بتقديم نموذج إشكالي، بل يرفض أصلًا فكرة التطوير التاريخي، ويصر على استنساخ لحظة ماضية، دون اعتبار لاختلاف الزمان والمكان.
النتيجة أن أتباع هذا التيار يعيشون في ازدواج زمني:
أجسادهم في القرن الحادي والعشرين، وعقولهم محكومة بتصورات جامدة عن عصور سابقة، تُقدَّم باعتبارها الكمال المطلق، رغم ما شابها تاريخيًا من تعقيدات وصراعات.
ثانيًا: تفريغ الدين من مقاصده – الشكل بدل الجوهر
أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يصادر مفهوم الدين، بل يختطفه. يُحوّل الدين من منظومة قيمية وأخلاقية تدفع إلى العمل والعلم والعمران، إلى قائمة من التفاصيل الشكلية التي تُستهلك فيها طاقة الإنسان. إذ ينشغل الأتباع بقضايا هامشية:
شكل اللباس، طول اللحية، جزئيات الطقوس، بينما تتراجع القضايا الكبرى: العدل، الكرامة، العلم، الإنتاج، وبناء المجتمع. هكذا يتحول الدين—الذي كان تاريخيًا دافعًا للحضارة—إلى أداة تعطيل حضاري، تُغرق الناس في الجزئيات، وتُبعدهم عن الأسئلة الكبرى.
ثالثًا: تحويل المرأة… من شريك إلى عبء
في هذا التصور، تُختزل المرأة—التي تمثل نصف المجتمع—في كائن يجب تقييده لا تمكينه. لا تُرى بوصفها شريكًا في البناء، بل مصدر فتنة يجب احتواؤه. تُفرض عليها قيود في التعليم والعمل والمشاركة العامة، ويُعاد تعريف حضورها في المجتمع على أساس الريبة لا الثقة. والنتيجة ليست فقط ظلمًا للمرأة، بل شللًا لنصف طاقة المجتمع، ما ينعكس مباشرة على التنمية والنهضة.
رابعًا: العداء للمعرفة الحديثة – تقديس الماضي ورفض الحاضر
يتعامل هذا التيار مع معارف العصر بعين الشك، بل والرفض أحيانًا. يُقدّس ما ورثه من نصوص وشروح، ويُقلل من قيمة العلوم الحديثة، أو يتعامل معها كضرورة اضطرارية لا كقيمة حضارية. بهذا، يُنتج جيلًا محدود الأفق، يفتقر إلى أدوات التفكير النقدي، ويجد صعوبة في التعامل مع تعقيدات العالم الحديث. ولا يرى في العلم وسيلة للتمكين، بل تهديدًا لهويته، فينكمش بدل أن ينفتح.
خامسًا: نشر ثقافة التواكل – إطفاء روح المبادرة
بدل أن يُحفّز الإنسان على السعي والعمل، يُشاع خطاب يُغلب التواكل على التوكل، ويُبرر العجز بذرائع دينية. تُهمّش قيمة الاجتهاد، ويُستبدل بها انتظار الفرج، أو الانشغال بقضايا لا تُنتج أثرًا في الواقع. هذا النمط من التفكير يُنتج مجتمعًا يستهلك أكثر مما يُنتج، وينتظر أكثر مما يعمل، ما يؤدي إلى ركود اقتصادي واجتماعي عميق.
سادسًا: الآثار الصامتة – تفكيك الإنسان من الداخل
قد لا يسيطر السلفيون الماضويون على الدولة مباشرة، لكن تأثيرهم يتغلغل في البنية العميقة للمجتمع:
• إضعاف العقل النقدي، عبر ترسيخ الطاعة العمياء.
• تسطيح الوعي، بتحويل القضايا الكبرى إلى تفاصيل هامشية.
• خلق فجوة مع العالم، نتيجة رفض التفاعل مع العصر.
• إنتاج إنسان خائف من السؤال، عاجز عن المبادرة.
وهنا تكمن الخطورة: حين يُفرَّغ الإنسان من قدرته على التفكير، تصبح أي محاولة لبناء دولة حديثة مجرد مشروع بلا حامل بشري.
سابعًا: النتيجة – مجتمع بلا طاقة للتقدم
في النهاية، لا يُنتج هذا التيار دولة، ولا يُسهم في تطويرها، بل يُنتج مجتمعًا منزوع الحيوية:
ينشغل بالماضي، ويخاف من الحاضر، ويعجز عن صناعة المستقبل. وبينما كانت الأمم تتسابق في ميادين العلم والتقنية، كان جزء معتبر من الوعي السوداني يُعاد تشكيله ليعيش في معارك لا وجود لها، ويُهمل معارك البقاء الحقيقي: التعليم، الاقتصاد، بناء المؤسسات.
إن مأساة السودان لم تكن فقط في صراع من يريدون السيطرة على الدولة، بل أيضًا في صعود من عملوا—باسم الدين—على تعطيل شروط بنائها من الأساس.
وفي الحلقة الرابعة والأخيرة، لن نكتفي بتشخيص الداء، بل سنطرح سؤال الخروج: كيف يمكن للسودان أن يستعيد نفسه؟ وما هو الطريق لبناء دولة حديثة، تتجاوز صراعات الأيديولوجيا، وتؤسس لوطن يتسع للجميع؟




