رأي

صمت المثقفين تجاه الحرب وأزمة الدولة في السودان:  قراءة في الجذور ومسارات الخروج (4)

هيثم محمد عبدالله

 

هيثم عبد الله محمد

ماجستير العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية

مسارات الخروج !! :

ثالثاً: الدين

ان استقرار الدولة لا يقوم على تجانس الهوية، بل على اتفاق عادل بين المواطنين والدولة يضمن الحقوق والحريات للجميع. بعد انفصال جنوب السودان في عام (2011 (ظاهرياً أصبح السودان أكثر تجانسًا دينيًا مقارنة بالسابق، حيث يشكّل المسلمون الغالبية الساحقة، مع وجود أقليات مسيحية وأصحاب معتقدات أفريقية تقليدية. لكن من المهم الانتباه إلى نقطة أساسية وهي أن هذا التجانس النسبي لم يُنهِ الأزمة السياسية، بل استمرت و تفاقمت، وهذا يعني أن الدين وحده ليس العامل الحاسم في استقرار الدولة. فالتعدد الديني وإن كان محدوداً يفرض على الدولة أن تكون محايدة دينيًا لضمان العدالة. مع ضمان حرية الاعتقاد ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل هو شرط لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما يشعر أي مكوّن (ديني أو ثقافي) بالتهميش، يضعف العقد الاجتماعي وتظهر النزاعات. والذي يجب الانتباه له أن أزمة السودان الحالية (مثل حرب ابريل 2023) ليست نتيجة التعدد الديني، بل نتيجة، صراع على السلطة بين النخب، وضعف المؤسسات، وغياب عقد اجتماعي شامل، وتسييس الهوية (دينية أو قبلية) بدل إدارتها. وعلى الدولة تبني حياد مؤسسي يضمن حرية الاعتقاد والممارسة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لشرعية الدولة. وعليه، فإن إعادة تأسيس الدولة السودانية تتطلب تجاوز تعريف الهوية الوطنية على أساس الدين أو القبيلة، والانتقال نحو نموذج مواطني يساوي بين الأفراد ويؤسس لشرعية سياسية مستقرة. اذن من الواجب أن يتضمّن الدستور الانتقالي أو أي دستور علي نقاط جوهرية وأساسية في اتجاهات الدولة وتأسيسها فمبدأ حياد الدولة دينياً وأن تكون الدولة محايدة تجاه جميع الأديان والمعتقدات، ولا تقوم على أساس ديني، وتلتزم باحترام التعدد الديني والثقافي في المجتمع السوداني. لأن شرعية الدولة تأتي من المواطنين جميعاً وليست من دين او لغة أو قبيلة معينة. كما يجب النص علي ضمان حرية المعتقد والدين ” لكل فرد الحق في حرية الاعتقاد والضمير، وحرية ممارسة شعائره الدينية أو معتقداته، فرديًا أو جماعيًا، دون إكراه أو تمييز”. مبدأ المواطنة والمساواة المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وجميع المواطنين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو الانتماء الثقافي. “حظر التمييز وخطاب الكراهية” يحظر أي شكل من أشكال التمييز أو التحريض على الكراهية على أساس ديني، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير القانونية لحماية التعايش السلمي.” فصل الدين عن الصراع السياسي “لا يجوز استغلال الدين في العمل السياسي بما يؤدي إلى الإقصاء أو التحريض أو تقويض النظام الدستوري.” لابد من انشاء مؤسسات ضامنة و أي عقد اجتماعي يفشل بدون مؤسسات:

• محكمة دستورية مستقلة لحماية الحقوق

• مفوضية لحقوق الإنسان والتنوع الديني

• قوانين تفصيلية تترجم هذه المبادئ

تظل الهوية الدينية للدولة هي العقبة الكؤؤد أمام أي تقدم للشعوب والمجتمعات وهي من أكبر معوقات ومهددات استمرارية وحدة الشعوب وضمان أمنها وسلامتها ووحدتها، وليس ببعيد تجربة الاسلام السياسي في السودان منذ العام 1989 والتي نتجرّع كشعب ارتداداتها وما فعلته من إعادة هندسة للمجتمعات علي أساس الدين والعقيدة التي كانت محصلتها انفصال جزء عزيز من السودان الأم. إن التعدد الديني في السودان، رغم تقلّصه بعد انفصال الجنوب، يظل عنصرًا حاسمًا في تشكيل العقد الاجتماعي. وعليه، فإن الدستور الانتقالي لا ينبغي أن يعكس هوية دينية أحادية، بل أن يؤسس لحياد الدولة من الأديان (علمانية الدولة) وضمان حرية الاعتقاد والمساواة بين المواطنين. فاستقرار الدولة السودانية لا يتحقق عبر التجانس، بل عبر إدارة عادلة للتنوع ضمن إطار دستوري يكرّس المواطنة كأساس للشرعية السياسية.

كمبالا

20/4/2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!