رأي

ويسألونك عن فساد الإسلامويين… حين يتحوّل الدين إلى مشروعٍ للنهب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من أخطر أنواع الفساد أن يُرتكب باسم الله، لأن الناس حينئذٍ يعبدون الجريمة وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً.

هل جربت يوماً أن ترى وطناً يُنهب باسم الفضيلة؟ أن يُرفع شعار الدين بينما تُذبح العدالة في المكاتب؟ ذلك هو المشهد السوداني حين تحوّل “التمكين” إلى دينٍ جديدٍ له فقهاؤه ومفسروه، وامتدت أيادي الفساد حتى صارت الدولة جسداً مسموماً يسري فيه الطمع كما يسري الدم في العروق. لم تكن سرقة المال العام مجرد فعلٍ معزول، بل كانت فلسفة حكم، ومنهجاً راسخاً لإعادة توزيع الثروة والسلطة بين المنتسبين لا المواطنين.

لقد نجح الإسلامويون في هندسة دولةٍ على مقاس التنظيم، لا على مقاس الوطن. دولةٌ تُوزَّع فيها المناصب كما تُوزَّع الغنائم، ويُقاس فيها الولاء بمدى السجود لا بحجم العطاء. وحين تُمسك العصبة بكل مفاصل الدولة — من المصرف إلى المسجد، ومن الميناء إلى المنبر — فإن الفساد لا يكون انحرافاً، بل يصبح هو القاعدة التي يُقاس بها الولاء.

كانوا يرفعون شعار “هي لله”، لكنهم لم يُقصدوا بها الله الذي يعرفه الفقراء والمساكين، بل إلهاً آخر صنعوه على صورتهم؛ إلهاً يُبارك السرقة إذا كانت باسم المشروع الحضاري، ويُزكّي الظلم إذا كان على خصوم التنظيم.

كل نظامٍ فاسدٍ يبدأ حين يُستبدل القانون بالفتوى، والمساءلة بالبيعة.

في تلك السنوات الحالكة، انقلبت الموازين كلها. صار التاجر الذي يُمول التنظيم أكثر وطنية من العالم الذي يُصلح الجامعة، وأصبح الحزبي المتملق أكرم من الخبير الوطني الذي يرفض الانحناء. كانت المؤسسات العامة تُسلَّم لكوادر غير مؤهلة، لأن الكفاءة لم تكن تعني شيئاً في دولةٍ لا تعترف إلا ببطاقة العضوية.

من المصانع التي أُغلقت إلى الشركات التي بيعت بأثمانٍ بخسة، ومن الموانئ التي رُهنت إلى أراضٍ قُسّمت كالغنائم، تمت إعادة تعريف “الاقتصاد الوطني” ليصبح مجرد شبكة مصالح تحميها العمائم. وحين كانت البلاد تغرق في الديون والعجز، كان رجال التنظيم يبنون قصورهم في الظل، ويمتلكون الشركات الوهمية بأسماء الأقارب والمريدين.

حين يختبئ الفساد خلف لافتة الدين، فإن مقاومته تحتاج إلى إيمانٍ أصدق من الذي خُدع به الناس.

لقد سُرقت الدولة كما تُسرق الروح، بهدوءٍ وتحت غطاءٍ من الصلوات. كان بعضهم يبدأ يومه بخطبةٍ عن الزهد وينهيه بتوقيع صفقةٍ مشبوهة. كانوا يبررون النهب بأنه “تمكين للمؤمنين”، وكأن الله أرسلهم ليُحصوا الأموال لا ليُقيموا العدل. وفي الوقت الذي كانت فيه الكفاءات الوطنية تُقصى أو تُتهم بالعلمنة، كان المنافقون يتسلقون حتى صاروا “أمراء الوزارات” و”شيوخ المال”.

ولأن الفساد لا يعيش دون فكرٍ يحميه، فقد اخترع الإسلامويون منظومة تبريرية كاملة. جعلوا من السرقة “اجتهاداً في تدبير الموارد”، ومن الرشوة “تحفيزاً”، ومن الاستيلاء على المؤسسات “تصحيحاً لمسار الاقتصاد”. حتى الأخلاق لم تسلم، إذ جُرّد الدين من جوهره الإنساني، وصار مجرد رداءٍ فضفاضٍ يُخفي جثة الدولة المنهوبة.

الظلم لا يُقاس بعدد المساجين، بل بعدد الذين صمتوا وهم يعرفون الحقيقة.

في ظل هذا الخراب، تشكّلت طبقةٌ من الأثرياء الجدد، خرجوا من رحم التنظيم لا من جهد العمل. كانوا يتحدثون بلغة التقوى ويعيشون بترف الملوك. امتلكوا البنوك وشركات الاتصالات والمقاولات، وأصبح المال العام مجرد ريعٍ لتغذية دوائر الولاء. حتى المؤسسات الدينية لم تسلم؛ حُوِّلت الزكاة إلى خزائن انتخابية، والوقف إلى موردٍ شخصي.

أما المواطن البسيط، فكان عليه أن يدفع فاتورة هذا الفساد مضاعفةً: مرة حين يُنهب المال العام، ومرة حين يُعاقب على فقره. كانت الأسعار ترتفع مع كل خطابٍ يتحدث عن “الإصلاح الاقتصادي”، وكان الفقر يتمدد مع كل آيةٍ تُستخدم لتبرير القهر. وبدلاً من أن تُسهم الدولة في بناء الإنسان، كانت تُعيد صياغته ليقبل الظلم كقدرٍ إلهيٍّ لا يُردّ.

لكن ما لم يدركوه، هو أن الفساد مهما اتّشح بثوب الدين يبقى عارياً أمام التاريخ. لقد انهارت مؤسساتهم واحدةً تلو الأخرى، لأن البناء الذي يقوم على الغش لا يصمد أمام أول ريح. حين تسقط الطائرات الوطنية، وتُفلس البنوك، وتتحول المصانع إلى أطلال، فذلك ليس خطأ السوق، بل جريمة الحكم باسم الله.

الدين لا ينهزم حين يُهاجم، بل حين يُستخدم لتبرير القبح.

لقد ظن الإسلامويون أن بإمكانهم خداع الناس إلى الأبد، لكنهم نسوا أن الشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى. إن ذاكرة الفقراء أطول من أعمار الطغاة. واليوم، كلما نطق أحدهم بلغة التوبة أو المصالحة، تخرج من تحت الركام آلاف الأصوات التي فقدت بيوتها، وأحلامها، وأبناءها، لتقول: لن يُغسل هذا العار بالاعتذار.

فما حدث في السودان لم يكن مجرد فسادٍ مالي، بل كان انهياراً أخلاقياً مريعاً، حين تم تزوير معنى الدين نفسه. حين صار المسجد منصةً للسيطرة، والمدرسة مصنعاً للجهل، والإعلام بوقاً يُبرّر كل قبح. لقد حوّل الإسلامويون الإسلام إلى مؤسسةٍ تجارية تبيع الغفران وتشتري الولاء.

إن أخطر ما خلفوه ليس الدمار الاقتصادي، بل تشويه الضمير الجمعي. جعلوا الناس يشكّون في الإيمان نفسه، ويحسبون أن كل من يتحدث باسم الله طامعٌ في الدنيا. وهذه هي الجريمة التي لا يغفرها التاريخ.

اليوم، ونحن نعيش على أنقاض تلك السنوات، لا بد أن نُدرك أن المعركة لم تكن بين أحزابٍ أو أيديولوجيات، بل بين ضميرٍ حيٍّ وآخر ميت. بين من يرى في الدين سلطة، ومن يراه رحمة. بين من يبني وطناً على العدل، ومن يبنيه على الخداع.

لن يُشفى السودان من جراحه إلا حين يُعاد للدين معناه، وللوطن احترامه، وللإنسان كرامته. لأن الفساد الذي بدأ باسم الله لا يُمحى إلا بصدقٍ يُعيد إليه وجهه الحقيقي.

كل سقوطٍ سياسي يبدأ من سقوطٍ أخلاقي، وكل سقوطٍ أخلاقي يبدأ حين يصمت الشرفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!