رأي

حين تصطدم الأوهام بالجغرافيا: كردفان خارج خرائط التبسيط السياسي

حسن النعمان

 

 حسن النعمان

ليست كل الخرائط التي تُرسم في غرف السياسة قابلة للحياة على الأرض، ولا كل التصورات التي تُسوَّق باعتبارها “حقائق” تملك القدرة على إعادة تشكيل الواقع. هذا ما يغيب عن أذهان من يتمسكون بأوهام “مثلث حمدي”، وكأن السودان يمكن اختزاله في مركز ضيق يحتكر الهوية والسلطة والثروة.

غير أن هذا الطرح، عند أول اختبار جاد، ينهار أمام ثقل التاريخ وصلابة الجغرافيا. فمنذ عهد الدولة المهدية، لم تكن كردفان هامشًا تابعًا، بل كانت جزءًا فاعلًا في تشكيل السلطة، تستند إلى عمق اجتماعي واقتصادي ممتد. وفي فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، ورغم محاولات إعادة توزيع النفوذ إداريًا، لم تُلغَ حقيقة أن السودان كيان متعدد المراكز. وعند استقلال السودان، سرعان ما أثبت الواقع أن أي اختلال في توازن الأقاليم يقود إلى أزمات بنيوية عميقة.

لكن الحجة لا تقف عند التاريخ وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد، حيث تتجلى كردفان كواحدة من أهم ركائز الإنتاج في السودان. فهي تمثل خزانًا رئيسيًا للثروة الحيوانية التي تُقدّر بعشرات الملايين من الرؤوس، وتشكل موردًا استراتيجيًا للصادرات. كما تُعد من أهم مناطق إنتاج الصمغ العربي، الذي يحتفظ فيه السودان بنسبة كبيرة من السوق العالمية، إلى جانب دورها في الزراعة المطرية التي تسهم في الأمن الغذائي.

هذه الحقائق الاقتصادية تكشف بوضوح أن القوة في السودان ليست محتكرة في جغرافيا بعينها، بل موزعة عبر أقاليم متعددة، لكل منها وزنه وتأثيره. ومن هنا، فإن أي محاولة لاختزال البلاد في مركز واحد ليست فقط خطأً سياسيًا، بل قراءة قاصرة لواقع معقد.

وفي هذا السياق، تبرز كردفان ليس كطرف، بل كامتداد جغرافي وتاريخي عميق. فهي، في معناها الواسع، تتصل بأم درمان كجزء من فضاء متداخل لا ينفصل، رضوا أم أبوا. وتمتد حدودها في التصور الجغرافي الذي يتداوله أهلها إلى ما وراء الخطوط الإدارية الضيقة: شرقًا نحو الجزيرة، وجنوبًا باتجاه النيل الأزرق، وشمالًا حتى تخوم الجبيلين وكوستي، وجنوب شرق كوستي حتى النيل الأبيض. هذا الامتداد ليس ترسيمًا رسميًا بقدر ما هو تعبير عن واقع اجتماعي واقتصادي متداخل، تشكل عبر عقود طويلة من الحركة والتبادل.

وعندما قيل: “اذهبوا أنتم بنهركم، أما نحن فهنا باقون”، لم تكن مجرد عبارة عاطفية، بل تلخيصًا مكثفًا لوعيٍ يعرف أن البقاء لا تحدده موارد أحادية، بل شبكة من العلاقات والإنتاج والقدرة على التكيف.

أما الحديث عن تحويل الأقاليم إلى “حديقة خلفية”، فهو يعكس ذهنية تتجاهل دروس التاريخ. فكل محاولة لاحتكار المركز وإقصاء الأطراف لم تُنتج استقرارًا، بل أزمات متلاحقة أعادت طرح سؤال العدالة في توزيع السلطة والثروة.

إن المفاجأة التي تنتظر أصحاب هذه التصورات ليست فقط في الرفض السياسي، بل في الحقائق الصلبة التي يصعب تجاوزها. فالسودان، بجغرافيته وتاريخه واقتصاده، أكبر من أن يُختزل في مثلث، وأعقد من أن يُدار بعقلية الإقصاء.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح: الجغرافيا لا تُهزم بالأفكار الضيقة، والتاريخ لا يُعاد كتابته بالرغبات، والاقتصاد لا ينحاز للأوهام. ومن لا يرى السودان بكل أقاليمه، سيظل أسير خريطة ناقصة، حتى تصححها الوقائع على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!