كيف تحوّلت هيئة محامي دارفور من الدفاع عن الحقوق إلى المطالبة بحرمان الطلاب منها؟
يعقوب التجاني المحامي

يعقوب التجاني المحامي
أثار البيان المشترك الصادر عن هيئة محامي دارفور والمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات بشأن امتحانات الشهادة السودانية التي نظمتها حكومة السلام الانتقالية دهشة واستغراباً واسعين في الأوساط القانونية والحقوقية. ولم يكن مصدر الدهشة موقف الجهتين الرافض للامتحانات فحسب، بل تجاهلهما الكامل للحق الأساسي الذي يفترض أن يكون محور أي نقاش قانوني في هذه القضية، وهو حق الطلاب في التعليم.
لقد انشغل البيان بالسؤال السياسي المتعلق بمن يملك حق تنظيم الامتحانات، بينما أغفل السؤال القانوني والأخلاقي الأكثر أهمية: ماذا عن حق الطالب نفسه في التعليم؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فهاتان الجهتان اللتان قدمتا نفسيهما لعقود باعتبارهما من المدافعين عن الحقوق والحريات، وجدتا نفسيهما عملياً في موقع المطالبة بحرمان آلاف الطلاب من حق أصيل كفلته جميع المواثيق الدولية، فقط لأنهما تختلفان سياسياً مع الجهة التي وفّرت هذا الحق.
الحق في التعليم حق أصيل لا يرتبط بالنزاعات السياسية
تنص المادة (26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن:
لكل شخص الحق في التعليم
كما تؤكد المادة (13) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الاعتراف بحق كل فرد في التعليم، بينما تنص المادة (28) من اتفاقية حقوق الطفل على ضمان هذا الحق للأطفال دون تمييز.
أما المادة (3) من الاتفاقية ذاتها فقد جعلت المصلحة الفضلى للطفل هي الاعتبار الأول في جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بالأطفال.
والسؤال المشروع هنا: أين ناقش البيان مصلحة الأطفال؟ وأين تناول حق الطلاب في التعليم؟ وأين قدّم معالجة قانونية لمصير آلاف الطلاب الذين يعيشون في مناطق الحرب والانهيار المؤسسي؟
الواقع أن البيان لم يفعل شيئاً من ذلك، بل انصرف بالكامل إلى إصدار حكم سياسي على الجهة المنظمة للامتحانات، متجاهلاً أصحاب الحق أنفسهم.
حق تقرير المصير يشمل إدارة المؤسسات التعليمية
تنص المادة الأولى المشتركة بين العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق الشعوب في تقرير مصيرها وإدارة شؤونها بحرية.
وقد تطور الفقه القانوني الدولي ليؤكد أن هذا الحق لا يقتصر على اختيار شكل الحكم، بل يشمل قدرة المجتمعات على إدارة شؤونها الأساسية وتنظيم مؤسساتها الاجتماعية والثقافية عندما تعجز الدولة المركزية عن أداء وظائفها بسبب الحرب أو الانهيار المؤسسي.
ومن بين أهم هذه المؤسسات المؤسسة التعليمية.
فإذا كانت الحرب قد عطلت أجهزة الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، فهل يصبح السكان ملزمين بتعليق تعليم أبنائهم إلى أجل غير معلوم؟ وأي قاعدة قانونية دولية تبرر حرمان الأطفال من التعليم بسبب نزاع سياسي أو عسكري لا يد لهم فيه؟
الطلاب ليسوا طرفاً في الصراع
القانون الدولي لحقوق الإنسان واضح في هذه المسألة. فالحقوق الأساسية لا تسقط بسبب النزاعات السياسية، ولا يجوز حرمان أصحابها منها بسبب الخلاف حول الشرعية أو السيادة.
فالطلاب ليسوا مسؤولين عن الحرب، ولا عن الانقسام السياسي، ولا عن طبيعة السلطات القائمة في مناطقهم. بل إن القانون الدولي يفرض حماية هؤلاء الأطفال من آثار النزاع، لا تحميلهم نتائجه.
ومن هذا المنطلق، فإن معارضة الامتحانات دون تقديم بديل عملي تعني عملياً معاقبة الطلاب على ظروف لم يصنعوها، وتحميلهم تكلفة حرب لم يختاروها.
أين البديل؟
من أكثر ما يثير التساؤل أن البيان المشترك لم يقدم أي بديل حقيقي للطلاب.
فإذا كانت الامتحانات مرفوضة في نظر أصحاب البيان، فما هو الحل المقترح؟
هل ينتظر الطلاب سنوات أخرى حتى تنتهي الحرب؟
هل يُطلب من جيل كامل أن يجمّد مستقبله إلى حين حسم الصراع السياسي والعسكري؟
وهل يتفق ذلك مع الالتزامات الدولية التي تلزم الجميع بحماية الحق في التعليم وضمان استمراريته؟
إن الحقوق لا تُحمى بالاعتراضات المجردة، وإنما بالحلول التي تكفل استمرارها.
السوابق الدولية: التعليم لا ينتظر نهاية الحروب
تؤكد التجارب الدولية الحديثة أن استمرار التعليم أثناء النزاعات المسلحة يمثل التزاماً إنسانياً وقانونياً لا يجوز تعطيله بسبب الخلافات السياسية.
أولاً: كوسوفو
خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت النزاع، لم يكن الاهتمام الدولي منصباً على مسألة السيادة وحدها، بل على ضمان استمرار العملية التعليمية وعدم حرمان الطلاب من الدراسة والامتحانات.
ثانياً: تيمور الشرقية
قبل اكتمال البناء الدستوري للدولة، أُنشئت مؤسسات انتقالية لإدارة الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم، لضمان عدم ضياع مستقبل الأجيال.
ثالثاً: جنوب السودان
قبل إعلان الاستقلال عام 2011، تولت المؤسسات القائمة في مناطق سيطرة الحركة الشعبية إدارة العملية التعليمية والخدمات العامة، ولم يعتبر المجتمع الدولي استمرار التعليم أو إجراء الامتحانات انتهاكاً للقانون الدولي، بل ضرورة لحماية المجتمع من الانهيار.
والقاسم المشترك بين جميع هذه التجارب أن المجتمع الدولي لم يقل يوماً إن الأطفال يجب أن ينتظروا نهاية الحرب حتى يذهبوا إلى المدارس أو يجلسوا للامتحانات.
بل كان المبدأ الحاكم دائماً هو:
“استمرار التعليم واجب إنساني حتى في أحلك ظروف النزاعات.”
الخاتمة
إن البيان المشترك الصادر عن هيئة محامي دارفور والمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات جاء أقرب إلى موقف سياسي منه إلى مرافعة قانونية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان.
فالقانون الدولي لا يبدأ بالسؤال: من يحكم؟
بل يبدأ بالسؤال: هل حُميت الحقوق أم انتُهكت؟
والطالب الذي جلس لأداء الامتحان لا يمثل حكومة ولا مشروعاً سياسياً، وإنما يمارس حقاً أصيلاً كفلته له جميع المواثيق الدولية.
لذلك فإن معارضة الامتحانات دون تقديم بديل حقيقي لا تعني عملياً سوى أمر واحد:
حرمان آلاف الطلاب من حقهم في التعليم ومعاقبتهم بسبب نزاع لم يصنعوه.
وهنا يكمن الخلل القانوني والأخلاقي الجوهري الذي سيظل ملازماً لهذا الموقف، مهما جرى تغليفه بشعارات الشرعية أو الدفاع عن القانون.




