
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ليس كل ما يُقال في الحرب يبقى مجرد قول. بعض التصريحات تُعيد تشكيل طريقة النظر إلى مهن كاملة وتدفعها خارج حيادها التاريخي نحو فضاء الشك.
في السودان لم تعد الحرب تُختبر فقط في ميادين القتال بل في إعادة تعريف ما كان يُفترض أنه غير قابل للتسييس الطب.
وفي هذا السياق أشار رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إلى ما وصفه بتعاون بعض الكوادر الطبية متحدثًا عن تقديم معلومات وإحداثيات قال إنها ساهمت في قلب الموازين لصالح الجيش وموجهًا الشكر لتلك الكوادر.
وفي المقابل حذّرت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان في بيان صادر بتاريخ 4 مايو 2026 من خطورة إقحام الأطباء في العمل الاستخباراتي والعسكري واعتبرت أن مثل هذا الخطاب يشكل تهديدًا مباشرًا لما تبقى من المساحة الإنسانية في البلاد كما أشارت إلى أن تصوير الكوادر الطبية كجزء من المعركة أو كمصدر معلومات يحوّلهم إلى أهداف مشروعة في نظر أطراف الصراع ويقوّض حق المدنيين في الوصول إلى خدمات صحية آمنة.
وأكد البيان أن الأطباء في السودان ظلوا يؤدون واجبهم في ظروف بالغة القسوة وسط استهداف متكرر للمرافق الصحية مع التزامهم بمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية الكوادر الطبية والمنشآت الصحية وعدم الزج بها في الصراع.
ما يجعل هذا الطرح بالغ الأثر ليس تفاصيله بل موقعه أن يُقال من أعلى سلطة سياسية وعسكرية في البلاد وبصيغة تُدخل مهنة كاملة بحجم الطب في دائرة التأويل السياسي والأمني.
مهنة بلا ازدواجية
الطب في تعريفه الأخلاقي والمهني لا يحتمل ازدواج الدور هو ممارسة واحدة واضحة إنقاذ الحياة دون اصطفاف
لكن الحرب لا تتعامل مع الوضوح بوصفه قيمة ثابتة
في بيئة الصراع لا تبقى الكلمات على معناها الأول تتحول المعلومة إلى عنصر قابل للتأويل والموقع إلى مدخل أمني والطبيب من فاعل إنساني إلى موضع اشتباه في خطاب سياسي متوتر
بهذا الشكل لا يُعاد تفسير الأفعال فقط بل يُعاد تشكيل حدود المهنة نفسها
الحياد تحت ضغط السياسة
على المستوى الدولي يُعامل الطب باعتباره أحد أعمدة الحياد الإنساني في النزاعات المسلحة وأي إشارة إلى تسييس دوره لا تُقرأ كحادث محلي منفصل بل كاختبار لقدرة الدولة على الحفاظ على الفصل بين العمل الإنساني ومنطق القوة
ولهذا فإن مثل هذا الخطاب لا يؤثر فقط على الصورة الداخلية بل يمتد إلى كيفية تقييم استقلالية النظام الصحي ودرجة الثقة في حياد كوادره
ما بعد السودان سؤال يتجاوز الجغرافيا
السؤال الذي يطرحه هذا الواقع لا يخص السودان وحده في كل مناطق النزاع تتكرر الإشكالية نفسها كيف يمكن حماية المهن المدنية من التحول إلى أدوات رمزية داخل الحرب
ومتى يبدأ فقدان القدرة على التمييز بين الطبيب كممارس للإنسانية والطبيب كعنصر يُعاد إدخاله في خطاب الصراع
السمعة المهنية الضرر الذي لا يُرى مباشرة
أخطر ما تنتجه الحروب ليس الدمار المادي فقط بل إعادة تشكيل السمعة الجمعية للمهن
فمهنة كاملة يمكن أن تُختزل في رواية سياسية واحدة حتى لو كان أغلب العاملين فيها خارج تلك الرواية تمامًا
وهذا النوع من الاختزال لا يضرب الأفراد فقط بل يضرب الثقة في المهنة نفسها عبر الزمن
ما بعد الحرب إعادة بناء الثقة
عند توقف الحرب لن يكون السؤال فقط عن الوقائع بل عن الإطار الذي جعل تلك الوقائع قابلة للظهور بهذه الصورة
كيف تُدار المهن في بيئة اختلط فيها العلاج بالسردية السياسية والأمنية
وهل يمكن إعادة بناء الثقة المهنية دون إعادة تعريف صارمة لحدود الحياد
الإشكال النهائي معنى التعاون
يبقى السؤال الأكثر حساسية ماذا يعني التعاون داخل مهنة طبية في سياق حرب
هل هو تعاون مهني داخل حدود تقديم الخدمة العلاجية
أم مفهوم يتم توسيعه داخل خطاب الصراع ليشمل أدوارًا لم تُصمم المهنة لتحملها أصلًا
في هذا التداخل لا يصبح الخطر في الفعل وحده بل في اللغة التي تعيد تعريف الفعل نفسه
الخلاصة
ما تكشفه الحرب في السودان ليس مجرد أزمة صراع مسلح بل أزمة أعمق أزمة تعريف تعريف المهنة تعريف الحياد وحدود ما يمكن أن يبقى خارج منطق القوة وفي هذه اللحظة يمكن لكلمة واحدة أن تعيد رسم موقع مهنة كاملة داخل فضاء سياسي شديد الاضطراب




