تقارير وتحقيقات

نيالا تُعلن ميلاد المعادلة الجديدة: حميدتي بين تفكيك الدولة المؤدلجة وبناء مشروع السودان ما بعد الحرب

التنوير تقرير القسم السياسي

 

التنوير تقرير القسم السياسي 

من خطاب الميدان إلى مشروع الدولة… كيف رسم قائد الدعم السريع ملامح “السودان الجديد” من قلب دارفور؟

لم يكن التنوير العسكري الذي قدمه رئيس المجلس الرئاسي بحكومة السلام والقائد العام لقوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، بمدينة نيالا، مجرد خطاب تعبوي عابر موجه إلى الضباط والقوات، بل بدا أقرب إلى “وثيقة سياسية – عسكرية” متكاملة تعكس انتقالاً نوعياً في طبيعة الصراع السوداني، وتحولاً في رؤية القيادة الجديدة لمستقبل السلطة والدولة وإعادة تشكيل المركز السياسي والعسكري في البلاد.

فالخطاب، بما حمله من مضامين تنظيمية وأمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية، كشف بوضوح أن المعركة لم تعد تُدار فقط بمنطق السيطرة العسكرية، وإنما بمنطق “إعادة تعريف الدولة السودانية” نفسها، بعد انهيار النموذج القديم الذي ظل قائماً لعقود على تحالف المؤسسة العسكرية مع المشروع الأيديولوجي للحركة الإسلامية.

ومن هنا، فإن قراءة الخطاب بمعزل عن سياقه الاستراتيجي الأوسع تفقده الكثير من معانيه؛ إذ إن ما جرى في نيالا لم يكن مجرد استعراض للقدرات، بل إعلاناً عن دخول الصراع مرحلة جديدة عنوانها: “التحول من إدارة الحرب إلى إدارة المجال السياسي والجغرافي والمؤسسي”.

نيالا… من هامش جغرافي إلى مركز قرار سيادي

أهم ما حمله خطاب دقلو هو تكريس مدينة نيالا بوصفها عاصمة سياسية وإدارية فعلية لمشروع “حكومة السلام”، وليس مجرد مقر عمليات عسكري مؤقت.

فعندما يتحدث القائد العام من داخل نيالا عن التعليم، والجوازات، والإدارة المدنية، والخدمات، والاقتصاد، والجيش القومي، فإنه لا يخاطب قواته فقط، بل يخاطب المجتمع السوداني والإقليم والعالم باعتبار أن هنالك “سلطة أمر واقع” تسعى للتحول إلى نموذج حكم كامل الأركان.

هذه النقلة تحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فالصراع السوداني ظل لعقود يدور حول مركزية الخرطوم بوصفها مركز السلطة والثروة والقرار، لكن الخطاب الجديد يعكس محاولة لإعادة إنتاج مركز بديل ينطلق من دارفور، بما يعني عملياً إعادة توزيع الجغرافيا السياسية للبلاد.

ولذلك، فإن نيالا في هذا الخطاب لم تظهر كمدينة حرب، بل كمنصة تأسيس لدولة جديدة، تسعى لإثبات قدرتها على إدارة الخدمات والسيطرة الأمنية وتقديم نموذج سياسي مغاير لما تعتبره “الدولة المختطفة” في بورتسودان.

تفكيك “الدولة المؤدلجة” وإعادة تعريف العدو

الركيزة الأكثر وضوحاً في خطاب دقلو تمثلت في توصيف الحرب باعتبارها معركة ضد “الاختطاف الأيديولوجي” للمؤسسة العسكرية والدولة السودانية

فالقائد العام لم يقدم خصومه بوصفهم مجرد قوة عسكرية منافسة، بل باعتبارهم امتداداً لمشروع الإسلاميين التاريخي الذي هيمن على الجيش والدولة لعقود، وهو ما ظهر في حديثه المتكرر عن “الكيزان”، و”الدواعش”، و”الخلايا المؤدلجة”، و”الاختراقات داخل المؤسسة”.

هذه اللغة ليست مجرد توصيف سياسي، وإنما محاولة لبناء “شرعية أخلاقية” للحرب، عبر تصويرها كحرب تحرير للدولة من قبضة تنظيم عقائدي، وليس مجرد صراع على السلطة.

ولذلك ركز الخطاب على فكرة أن الجيش السوداني ككيان وطني لا يمثل المشكلة، وإنما المشكلة في “القيادة المؤدلجة” التي حولته – بحسب الرواية المطروحة – إلى أداة لخدمة مشروع حزبي.

وهنا تتضح محاولة دقيقة لإعادة هندسة الوعي العام، عبر الفصل بين “المؤسسة الوطنية” و”الهيمنة الأيديولوجية”، بما يسمح باستقطاب قطاعات من داخل الجيش نفسه نحو مشروع “إعادة البناء”.

الاختراقات الأمنية… من رواية الصدمة إلى شرعية التطهير

من أكثر أجزاء الخطاب إثارة للانتباه حديث دقلو عن الاختراقات داخل قواته عند اندلاع حرب 15 أبريل، وإشارته إلى أن غالبية الضباط كانوا – بحسب وصفه – مرتبطين بتنظيمات أيديولوجية.

هذه الرواية تؤدي عدة وظائف استراتيجية في آن واحد.

أولاً: تبرير حالة الانهيار والارتباك التي صاحبت بدايات الحرب، عبر تحميلها لاختراق داخلي منظم.

ثانياً: منح شرعية لعمليات “التطهير” وإعادة الهيكلة داخل القوات.

ثالثاً: تقديم القيادة الحالية باعتبارها نجحت في “تحرير القرار العسكري” من النفوذ الحزبي.

رابعاً: تعزيز صورة الحرب بوصفها صراعاً وجودياً ضد تنظيم متغلغل داخل مفاصل الدولة.

ولذلك فإن حديثه عن وجود عناصر مؤدلجة حتى داخل مكتبه الشخصي لم يكن مجرد معلومة أمنية، بل رسالة سياسية تعني أن المعركة – وفق التصور المطروح – لم تكن معركة جبهات فقط، بل معركة اختراق وسيطرة على القرار.

إعادة بناء القوة… من التشكيل العسكري إلى “الجيش الشعبي”

أحد أكثر المحاور حساسية في الخطاب كان الحديث عن التوسع العددي الكبير داخل قوات الدعم السريع، من 143 ألف مقاتل إلى نحو 450 ألفاً.

لكن اللافت أن دقلو لم يتعامل مع هذا التوسع بوصفه مجرد نمو عسكري، بل أعاد تعريفه باعتباره “انحيازاً شعبياً”.

هنا يتحول الرقم من قضية عسكرية إلى قضية رمزية؛ إذ يحاول الخطاب تحويل الدعم السريع من قوة شبه عسكرية إلى “حركة اجتماعية – عسكرية” تستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة.

هذا التحول بالغ الأهمية؛ لأن شرعية الجيوش في الحروب الأهلية لا تُبنى فقط على السلاح، وإنما على القدرة على إقناع المجتمع بأنها تمثل مصالحه وهويته ومستقبله.

ولذلك حرص الخطاب على تصوير القوة الجديدة باعتبارها “الشعب السوداني نفسه”، في مقابل تصوير الخصم كتحالف من “الكتائب المؤدلجة والمرتزقة”.

الجيش القومي… محاولة احتكار خطاب الوطنية

في الجانب السياسي، قدم دقلو تصوراً متكاملاً لما سماه “الجيش المهني القومي الموحد”، وهو مفهوم تكرر كثيراً في الخطاب السوداني منذ سقوط نظام البشير، لكنه هنا أُعيد تقديمه بوصفه جزءاً من مشروع الحرب نفسها.

الفكرة الجوهرية التي حاول الخطاب ترسيخها هي أن الجيش المطلوب ليس جيشاً أيديولوجياً أو حزبياً، بل مؤسسة مهنية تخضع للسلطة المدنية وتحمي التحول الديمقراطي.

هذا الطرح يهدف بوضوح إلى احتكار خطاب الوطنية، عبر تصوير الدعم السريع باعتباره المدافع الحقيقي عن الدولة المدنية، في مقابل تصوير خصومه كمعرقلين للتحول الديمقراطي.

ومن اللافت أن الخطاب لم يطرح فكرة “إلغاء الجيش”، بل بالعكس تحدث عن إعادة بنائه، وهو ما يشير إلى محاولة استيعاب المؤسسة العسكرية داخل مشروع جديد بدلاً من تدميرها بالكامل.

التعليم… من الخدمة الاجتماعية إلى مشروع إعادة تشكيل المجتمع

ربما كان أكثر ما يميز الخطاب هو الانتقال من اللغة العسكرية التقليدية إلى الحديث المفصل عن التعليم والتنمية والخدمات.

فالحديث عن المدارس والجامعات ورعاية أبناء الشهداء لم يكن مجرد بعد إنساني، بل جزء من استراتيجية “بناء الشرعية الاجتماعية”.

الدول والحركات المسلحة على السواء تدرك أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي للبقاء، وأن المجتمعات تُكسب عبر الخدمات والتعليم والاقتصاد.

ولذلك فإن مبادرة التوسع في تعليم أبناء الشهداء، ورفع المستهدفين إلى عشرات الآلاف، تعكس توجهاً نحو بناء جيل جديد يرتبط رمزياً وسياسياً بالمشروع الجديد.

كما أن التركيز على تعليم اللغات والمهارات المهنية يشير إلى محاولة إنتاج خطاب “التحديث” وربط المشروع بمفاهيم التنمية وإعادة الإعمار والانفتاح على العالم.

الاقتصاد والحكم المدني… كسر منطق الحرب الدائمة

من النقاط اللافتة أيضاً حديث دقلو عن البدائل الاقتصادية والإنتاج الزراعي والموارد السيادية.

هذا الجزء يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب الطويلة لا تُدار فقط بالسلاح، وإنما بالاقتصاد والقدرة على إنتاج الموارد.

ولذلك طرح الخطاب رؤية تقوم على “اقتصاد الموارد المحلية”، من الزراعة والصمغ العربي والثروة الحيوانية، باعتبارها أدوات لبناء الاستقلال المالي وكسر الحصار الاقتصادي والسياسي.

كما أن الحديث عن الإدارة المدنية وإصدار الجوازات والخدمات يعكس انتقالاً من مرحلة “الحركة المقاتلة” إلى مرحلة “السلطة الحاكمة”، وهي نقلة شديدة الحساسية في أي نزاع مسلح.

فالسلطة التي تدير التعليم والصحة والوثائق المدنية تسعى عملياً لتكريس نفسها كبديل للدولة المركزية التقليدية.

الحرب النفسية وإدارة السرديات

على المستوى الإعلامي، كشف الخطاب عن وعي متقدم بأهمية “الحرب النفسية” وإدارة الروايات.

فالإشادة بالقوات التي دخلت الخرطوم ووثقت المقابر والانتهاكات تحمل بعداً رمزياً يتجاوز العمل العسكري، إذ تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي حول طبيعة الحرب ومن يتحمل مسؤوليتها.

كما أن التركيز على عدم استهداف المدنيين والبنية التحتية يمثل محاولة واضحة لبناء تفوق أخلاقي في مواجهة الاتهامات الدولية والانقسامات الداخلية.

وفي المقابل، جرى تصوير الخصوم باعتبارهم مسؤولين عن تدمير البنية التحتية واستخدام الحرب كأداة لمعاقبة المجتمع.

هذه المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية، لأن الحروب الحديثة تُحسم بقدر كبير عبر السيطرة على الرواية العامة محلياً ودولياً.

 

“أربعون عاماً من الحرب” … رسالة الردع الكبرى

التصريح الأكثر صرامة في الخطاب كان إعلان الجاهزية للاستمرار في الحرب لعقود إذا لزم الأمر.

هذا التصريح لا يمكن فهمه باعتباره مجرد انفعال خطابي، بل يجب قراءته كرسالة ردع استراتيجية موجهة للخصوم والحلفاء معاً.

فالرسالة الأساسية هنا أن عامل الزمن لن يكون كافياً لإسقاط المشروع الجديد، وأن سياسة الاستنزاف لن تؤدي إلى انهياره.

وفي حروب طويلة ومعقدة كالحالة السودانية، فإن القدرة على إظهار “النفس الطويل” تمثل عاملاً مركزياً في الصراع النفسي والسياسي.

كما أن هذا الخطاب يهدف إلى رفع معنويات الحاضنة الداخلية، عبر الإيحاء بأن القيادة تمتلك خطة بعيدة المدى وليست مجرد رد فعل ظرفي.

السودان أمام مفترق تاريخي

في خلاصته النهائية، بدا خطاب نيالا محاولة لتقديم تصور كامل لـ”السودان ما بعد الحرب”.

فالقضية لم تعد  وفق هذا الطرح  مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على شكل الدولة وهوية المؤسسة العسكرية وطبيعة النظام السياسي وموقع الهامش داخل معادلة السلطة.

ومن هنا، فإن خطاب دقلو حاول الجمع بين لغة الميدان ولغة الدولة، بين السلاح والتنمية، بين الحرب وإعادة الإعمار، وبين الردع العسكري وبناء الشرعية الاجتماعية.

ويبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع هذا المشروع التحول من خطاب سياسي – عسكري إلى واقع مستدام قادر على إعادة تشكيل السودان؟

الإجابة لا تزال رهينة بمآلات الحرب، وتوازنات الإقليم، وقدرة القوى المختلفة على فرض تصوراتها لمستقبل البلاد.

لكن المؤكد أن ما قيل في نيالا لم يكن مجرد خطاب عسكري عابر، بل إعلان صريح عن دخول السودان مرحلة جديدة من إعادة تعريف السلطة والدولة والجغرافيا السياسية، في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وتحولاً في تاريخ البلاد الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!