
فاطمة لقاوة
لم يكن خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو-“رئيس حكومة السلام و قائد قوات الدعم السريع” في نيالا مجرد كلمة أمام قواته، بل كان صفعة سياسية مدوّية في وجه الخطاب المترهل الذي تحاول سلطة عبد الفتاح البرهان تسويقه من بورتسودان،هناك، حيث تُدار الحرب بعقلية الأزمة،خرج حميدتي ليعيد تعريف المشهد من أساسه: من يملك الحق في الحديث باسم السودان؟.
خطاب نيالا لم يترك مساحة للرماديات،في الوقت الذي تتمترس فيه “سلطة بورتسودان” خلف شعارات الجيش والدولة، فضح حميدتي هذا الإدعاء عبر طرح سؤال بسيط لكنه قاسٍ: أي جيش هذا الذي يقصف مدنه ويشرّد شعبه؟ وأي شرعية تلك التي تُبنى على أنقاض المدنيين؟.
عكس خطاب البرهان الذي يقوم على التهديد وإستدعاء العاطفة الجوفاء، جاء خطاب الجنرال حميدتي محمّلاً بلغة مختلفة؛ لغة تُخاطب الواقع لا الأوهام.
حديثه عن التعليم، الصحة، الجرحى، وأبناء الشهداء لم يكن إستعراضاً خطابياً، بل إقراراً بأن الحرب ليست مجرد معركة بنادق، بل مسؤولية تجاه مجتمع ينزف،
وهنا تتجلى المفارقة الصارخة: بينما تنشغل قيادة بورتسودان بإطالة أمد الحرب وتبريرها، ظهر خطاب نيالا بديلاً مُقنعاً لإدارة ما تبقى من الدولة لا لتدميرها،
هذا لا يعني أن الواقع مثالي، لكنه يكشف بوضوح من يحاول بناء سردية سياسية ويسعى لذلك، ومن يكتفي بإعادة تدوير خطاب فقد صلاحيته،مشحون بالكراهية و العنصرية وخلط الأوراق كما يظهر في خطابات البرهان و عصابته.
الأكثر جرأة في خطاب حميدتي كان كسره للهالة التي يحيط بها البرهان نفسه،لم يعد “قائد الجيش” في هذا الطرح رمزاً وطنياً فوق النقد، بل طرفاً في صراع، مرتبطاً بإرث سياسي سيئاً يرفض كثيرون عودته،بهذه الجرأة، لم يهاجم حميدتي خصمه فقط، بل سحب منه الأرضية التي يقف عليها.
خطاب القائد رسم ملامح قُريبِه من جنوده ومن معاناة الناس، لا مجرد صانع قرارات من خلف المكاتب،
هذه الرسالة-سواء إتفق معها القارئ أو إختلف- تمثل تحوّلاً مهماً في طريقة تقديم القيادة في زمن الحرب.
ما حدث في نيالا اليوم لم يكن خطاباً عادياً، بل كسرا واضح لإحتكار “الشرعية المُزيفه” الذي تتمسك به بورتسودان.
بين خطابٍ يستند إلى التخويف أدمن عليه البرهان و عصابته، وآخر نراه اليوم وقد كسب العقول والقلوب،
يبقى الحكم النهائي ليس للكلمات، بل لما تفرضه الوقائع على الأرض،وهذا ما نشاهده اليوم في التُكمة التي سطر فيها أشبالنا تاريخ بطولي لن ينساه الأعداء.
ولنا عودة بإذن الله
الأربعاء،٦مايو/٢٠٢٦م




