رأي

اختراق الظل.. كيف تسللت الحركة الإسلامية إلى قلب المكون العسكري؟

عماد جدو

 

عماد جدو

في خطابه الأخير الموجه إلى قوات الدعم السريع، فتح محمد حمدان دقلو واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد السوداني، حين تحدث بصراحة عن اختراق ما وصفه بتنظيم “الحركة الإسلامية الداعشية” لقوات الدعم السريع خلال الفترة التي سبقت اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل.

ذلك الحديث لم يكن مجرد اتهام سياسي عابر، بل كشف عن زاوية ظلت لوقت طويل في المنطقة المعتمة من الصراع، وهي طبيعة التشابكات داخل ما يُعرف بالمكون العسكري السوداني، وكيف تحولت المؤسسات العسكرية والأمنية إلى ساحات نفوذ وتغلغل أيديولوجي.

وفقًا لما ورد في الخطاب، فإن المكون العسكري الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية لا يقتصر على الجيش وحده، بل يتكون من ثلاثة أضلاع رئيسية: القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع، ثم جهاز الأمن والمخابرات والشرطة.

فالجيش، بوصفه المؤسسة التقليدية، يضم الضباط والرتب العليا والأسلحة المختلفة وما يرتبط بها من كوادر فنية وجنود. أما قوات الدعم السريع فقد نشأت كقوة ميدانية تعتمد على المشاة والحركة السريعة، ونجحت مع الوقت في تطوير تكتيكاتها العسكرية بالاعتماد على سيارات الدفع الرباعي بدلًا من العربات الثقيلة، ما منحها قدرة عالية على المناورة والانتشار في مسارح العمليات المختلفة.

بينما يمثل جهاز الأمن والمخابرات والشرطة الضلع الثالث الذي ظل حاضرًا في معادلات السلطة والصراع منذ عقود.

لكن النقطة الأخطر التي أشار إليها الخطاب تمثلت في حديث دقلو عن وجود مئات الضباط المنتمين للحركة الإسلامية داخل قوات الدعم السريع نفسها، في إطار ما وصفه بعمليات تنسيق وانتداب تمت بين الجيش والدعم السريع قبل الحرب.

وقد ذكر أن عدد هؤلاء الضباط بلغ نحو أربعمائة وثمانين ضابطًا، تم اختيارهم بعناية، وحتي الضباط الملحقين بمكتب قائد قوات الدعم السريع لم يخلو من هذا الاختراق وكان يوجد نحو سبعة ضباط من الاسلامين وقد غادرو بعد نشوب حرب 15/ابريل .وهذا يدل علي الاستعداد المبكر من قبل الدواعش لنشوب هذه الحرب. قبل أن تكشف الحرب ولاءاتهم الحقيقية، ولم يتبقَّ منهم – بحسب الخطاب – سوى ثمانية ضباط فقط.

هذه الرواية تعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الحرب التي اندلعت في السودان:

هل هي مجرد مواجهة بين الجيش وقوات متمردة كما رُوّج لها إعلاميًا؟

أم أنها، كما يرى أنصار الدعم السريع، صراع أوسع بين مشروع الحركة الإسلامية وبين قوى تسعى لإعادة تشكيل الدولة السودانية؟

خلال السنوات الثلاث الماضية، عملت الآلة الإعلامية التابعة للإسلاميين – بحسب كثير من المنتقدين – على صياغة سردية محددة للصراع، بدأت بوصف الدعم السريع بـ”المليشيا المتمردة”، ثم جرى تغليف الحرب بخطاب تعبوي تحت شعار “حرب الكرامة”، قبل أن يتحول الخطاب لاحقًا إلى معركة “وجودية” ضد ما أُطلق عليه “عرب الشتات”، في محاولة لنزع الهوية الوطنية عن قوات الدعم السريع وربطها بمشاريع النهب والفوضى.

غير أن تطورات الحرب، واتساع دائرة الانتهاكات، والانكشاف التدريجي للمواقف السياسية والعسكرية، دفعت قطاعات واسعة من السودانيين إلى إعادة النظر في كثير من الروايات التي جرى تسويقها منذ اندلاع القتال.

وبات واضحًا أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل هي أيضًا حرب تعريفات وسرديات، تسعى فيها كل جهة إلى احتكار توصيف الصراع وتحديد من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”.

إن أخطر ما في الحروب ليس الرصاص وحده، بل القدرة على تشكيل الوعي العام وتوجيهه.

ولهذا فإن حديث دقلو عن اختراق الإسلاميين لقوات الدعم السريع يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الدولة السودانية نفسها، ومدى تغلغل التنظيمات العقائدية داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية خلال العقود الماضية.

لقد أثبتت الحرب، يومًا بعد آخر، أن السودان يقف أمام أزمة بنيوية عميقة، تتجاوز حدود المعركة الميدانية إلى سؤال الدولة والهوية والسلطة.

ومع كل يوم جديد تتكشف حقائق كانت مخفية في الظل، ويزداد اقتناع كثيرين بأن الصراع الدائر ليس مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل مواجهة مفتوحة بين مشروع الهيمنة الأيديولوجية وبين تطلعات قطاعات من السودانيين نحو دولة مدنية تتجاوز إرث التنظيمات العقائدية المسلحة.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتعالى الأصوات المطالبة بـ”كسر بندقية التنظيم الداعشي”، باعتبار أن استمرار هيمنة الجماعات المؤدلجة على مؤسسات القوة سيقود السودان إلى مزيد من الانقسام والانهيار، ويغلق الطريق أمام أي مشروع وطني جامع يعيد للدولة توازنها وللمجتمع أمنه واستقراره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!