رأي

القائد كربينو كوانجين بول: رجل البدايات الأولى في ثورة التحرر الوطني

مايكل كريستوفر 

 

مايكل كريستوفر 

 

 في ذاكرة الكفاح الوطني لجنوب السودان يظل اسم القائد و المناضل كربينو كوانجين بول حاضرًا بوصفه أحد الرجال الذين أشعلوا الشرارة الأولى لثورة التحرر، وواحدًا من أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بميلاد الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق دي مبيور. فقد كان كربينو من أوائل الضباط الجنوبيين الذين آمنوا بأن شعب جنوب السودان يستحق الحرية والكرامة وتقرير المصير، وكرّس حياته منذ شبابه المبكر للنضال من أجل هذه القضية.

وُلد كربينو عام 1948 في منطقة أديانق ببحر الغزال وسط بيئة ريفية بسيطة، ونشأ في مجتمع عرف قيم الشجاعة والتضامن والاعتزاز بالهوية الجنوبية. ومنذ سنواته الأولى عُرف بقوة الشخصية وروح التحدي ورفض الظلم والإهانة، وهي الصفات التي سترافقه لاحقًا في مسيرته العسكرية والسياسية. التحق بالتعليم في مدارس الإرساليات الكاثوليكية، لكنه ترك الدراسة في ستينيات القرن الماضي لينضم إلى قوات الأنيانيا، مقتنعًا بأن معركة الحرية أهم من أي طريق آخر.

برز كربينو سريعًا داخل صفوف المقاتلين بفضل جرأته الميدانية وشخصيته القيادية. وبعد اتفاقية أديس أبابا عام 1972 انضم إلى الجيش السوداني، لكنه ظل مؤمنًا بأن قضية الجنوب لم تُحل جذريًا. ومع تصاعد التوترات السياسية في أوائل الثمانينيات شارك في الاجتماعات السرية التي مهّدت لتأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، إلى جانب قادة مثل سلفا كير ميارديت وويليام نيون وجون قرنق دي مبيور.

ويُذكر لكربينو أنه أطلق الرصاصة الأولى في تمرد بور يوم 16 مايو 1983، وهو الحدث الذي أصبح البداية الرسمية لثورة الحركة الشعبية. وقد اعتبر كثير من رفاقه أن تلك اللحظة غيّرت تاريخ السودان الحديث، إذ تحولت بعدها الحركة إلى قوة سياسية وعسكرية كبرى قادت حرب التحرير لأكثر من عقدين.

كما لعب كربينو دورًا مهمًا في بناء الجيش الشعبي وتنظيم قواته في سنوات الحرب الأولى، وتولى مواقع قيادية رفيعة بوصفه نائبًا لرئيس الحركة الشعبية ونائبًا للقائد العام للجيش الشعبي. وقاد معارك كبرى في النيل الأزرق وبحر الغزال، عُرف خلالها بالشجاعة والإقدام والقدرة على رفع معنويات المقاتلين.

ورغم التعقيدات والانقسامات التي شهدتها سنوات الحرب، ظل كربينو بالنسبة لكثير من الجنوبيين رمزًا للمقاتل الجسور الذي لم يتردد في التضحية من أجل حلم الاستقلال. فقد عاش حياته بين الجبهات والمعارك، وظل اسمُه مرتبطًا بالبدايات الأولى للكفاح المسلح وبالجيل الذي حمل عبء التحرير الوطني في أصعب الظروف.

لقد رحل كربينو كوانين بول عام 1999 في ظروف مأساوية، لكن إرثه بقي حاضرًا في تاريخ جنوب السودان، بوصفه أحد الرجال الذين ساهموا في إشعال ثورة التحرر الوطني ومهّدوا الطريق أمام ميلاد الدولة المستقلة عام 2011.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!