رأي

اين تختفي البراءة، حينما يكون الجميع شركاء في الجريمة؟

دكتور عبدالله محمد ادم .. كمبالا

 

عبدالله محمد ادم …كمبالا

بعد عامين ونصف من حرب ١٥/ أبريل في السودان، لم تعد ثمة براءات،فلقد طال الأمد حتى صرنا جميعاً – باختلاف مواقعنا – حطاماً يطفو على نهر من الدماء، فالحرب لم تنطلق من فراغ، بل اشتعلت بعد أن تراكم وقودها لعقود تحت شعارات “فلتَرقْ كل الدماء أو ترقَ منّا الدماء”. فتلك لم تكن مجرد كلمات، بل كانت نبوءةً تحققت،و موعظَةَ كراهية تحولت إلى سكاكين وقنابل وفتاوى ذبح يكبر لها البعض و يستنكرها الاخر فقط اذا كانت بيد من لا يري نفسه مشجعا له من طرفي الحرب.

في البداية، ربما ظننّا أننا مجرد مشاهدين، لكن الطريق بين الفاشر وبارا كان شاهداً مبكراً على تحولنا جميعاً إلى شركاء. فحين أُخرِجت أسرة كاملة من “دفار” وذُبح بعضهم أمام الكاميرات ايام الحرب الاولي علي يد عساكر الجيش و الامن في كردفان، لم نصرخ بما يكفي، و حين انتشرت مقاطع “أكل الكبد” و”بقر البطون” وفتاوى “ذبح الناجي عبد الله” التي تساوي بين دم الإنسان وأضحية العيد، أغمضنا أعيننا وكأن الجريمة لم تكن. لقد سمحنا للقتلة بأن يصبحوا أبطالاً، و للجراح أن تتحول إلى منصات للتصفيق .

و نسينا ان الحرب اليوم يخوضها شباب تربوا في أحضان هذا العقل المتطرف، محرومين من التعليم والإنسانية، في مجتمع لم يعد يقدّم القيادة إلا لمن حمل سلاحاً وأحرق قرية،و ها هم أولئك الذين أحرقوا القرى وأفنوا العائلات – من البرهان إلى حميدتي، من جبريل و مناوي إلى مالك عقار – يقفون اليوم على منصات الخطاب، يصفق لهم من كانوا ضحاياهم بالأمس ، حتي لم نعد نفرق بين الجلاد والضحية، لأننا قبلنا أن تكون أيدينا ملطخة إما بالدم أو بالسكوت عنه.

اما الآن، وقد تداخلت الخطوط إلى درجة التماهي، أين نجد البرئ؟ من الذي يستطيع أن يرفع يده ويقول: يداي نظيفتان؟ هل هو الذي حمل السلاح؟ أم الذي قدم له الغطاء السياسي؟ أم الذي صفق للخطاب الدموي من خلف الشاشات؟ أم الذي هرب إلى برّ الأمان وكأن النار لا تلتهم وطنه؟

الحقيقة المرة هي أننا جميعاً شركاء، شركاء في السماح للكراهية أن تتراكم، وفي الصمت عندما سال الدم، وفي التطبيل للجلادين عندما قدّموا أنفسهم أبطالاً،و هذه الحرب ليست حدثاً واحداً يمكن تعريفه أو إرجاعه إلى لحظة بعينها؛ إنها كرة ثلج من الجرائم المتلاحقة، صغيرة وكبيرة، علنية و مستترة، ارتكبناها جميعاً بأيدينا أو بصمتنا او بجهلنا باسبابها.

لقد آن الأوان أن نعترف بان في حرب طويلة الأمد مثل هذه، لا توجد براءة. لا يوجد متفرجون أبرياء ، هناك فقط جرائم متفاوتة في حجمها، وأيدي متفاوتة في درجة اقترابها من الدم. والخلاص الوحيد المتبقي لنا هو أن نكون شركاء في حل هذه الكارثة، كما كنا شركاء في صنعها، الحل في أن نرفض جميعا الهروب من مرآة الذنب التي تظهرنا جميعاً – وبلا استثناء – كمجرمين، و ان نتحول الان، الان ، الي قوة فاعلة توقف الحرب و تبني السلام و تمنع حدوث حتمي لتكرار حادثة ابولولو في الفاشر، و ذبح المسافرين في طريق الابيض بارا و مجزرة الكنابي و انتاج مشاهد جديدة من الفظاعات في ابرياء ذنبهم الوحيد هو القدر الذي جعل مكان ولادتهم في ابوزبد و الكومة و كبكابية او ما تسمي حواضن الدعم السريع، فلنعمل جميعا حتي لا تسن ولاية اخري قانون الوجوه الغريبة فتصبحوا جميعا غرباء في وطن تنظنون انه سيسعكم جميعا فيصبح اضيق من سم الخياط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!