
الصادق آدم المأمون (كجيرة)
في السودان، ظل الحديث عن الفدرالية لعقود طويلة أقرب إلى الشعار السياسي منه إلى مشروع حكم حقيقي. تعاقبت الحكومات، وتبدلت الأنظمة بين عسكرية ومدنية، لكن جوهر السلطة بقي أسيراً للمركز، بينما ظلت الأقاليم مجرد هوامش تُدار بالأوامر لا بالشراكة، وتُستدعى عند الأزمات ثم تُعاد إلى دائرة التهميش فور انتهاء الحاجة إليها.
ومن بين أكثر المفارقات قسوة في التجربة السودانية، أن الأنظمة التي رفعت شعارات اللامركزية كانت في الواقع الأكثر تمسكاً بمركزية القرار، فيما عجزت القوى السياسية التقليدية، حتى في فترات الديمقراطية، عن بناء نموذج عادل لتوزيع السلطة والثروة. ولهذا ظل سؤال الفدرالية في السودان سؤالاً مؤجلاً، رغم أنه يمثل جوهر الأزمة الوطنية منذ الاستقلال.
لكن ما جرى في ولاية غرب كردفان خلال الفترة الأخيرة يستحق التوقف والتأمل، ليس باعتباره تجربة إدارية عابرة، بل لأنه يمثل محاولة نادرة لتحويل الفدرالية من خطاب نظري إلى ممارسة عملية، حتى في ظل ظروف الحرب والانهيار المؤسسي الذي يعيشه السودان.
لقد قدّمت الولاية نموذجاً مختلفاً في بناء الإدارة المدنية ومجلس التأسيس الولائي، عبر رؤية اعتمدت على تقسيم المحليات الأربع عشرة إلى أربعة قطاعات، مع توزيع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بصورة متوازنة بين تلك القطاعات، ومنح كل قطاع الحق الكامل في اختيار ممثليه وفق معايير وشروط محددة. وهي خطوة تعكس فهماً عميقاً لمعنى المشاركة السياسية والعدالة الجغرافية والاجتماعية.
الأهم من ذلك أن هذه التجربة لم تُبنَ على منطق المحاصصة التقليدية أو الولاءات الضيقة، بل حاولت – على الأقل في فكرتها الأساسية – تأسيس نموذج يقوم على التمثيل العادل والتوافق المجتمعي، وهو ما افتقدته معظم تجارب الحكم في السودان الحديث.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه المحاولة، التي سبقت قيام تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، تعرضت لاحقاً للتراجع بعد تكوين التحالف، حين فُرضت تصورات جديدة لم تنسجم بالكامل مع المنهج الذي بُنيت عليه تجربة الولاية. وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تمتلك القوى الجديدة الشجاعة الكافية للاستفادة من التجارب المحلية الناجحة، أم أنها ستكرر أخطاء المركز القديم ولكن بأسماء مختلفة؟
إن مستقبل السودان لن يُبنى بالشعارات وحدها، ولا بإعادة إنتاج المركزية تحت لافتات جديدة، بل عبر الاعتراف الحقيقي بحق الأقاليم في إدارة شؤونها والمشاركة الفعلية في صناعة القرار. وما حدث في غرب كردفان يثبت أن المجتمعات المحلية قادرة على ابتكار حلول سياسية وإدارية أكثر نضجاً من كثير من النخب التقليدية.
ولهذا، فإن التجربة تستحق أن تُقرأ بوصفها جرس إنذار وفرصة في آنٍ واحد: إنذاراً من خطورة التفريط في المبادرات المحلية الجادة، وفرصة لإعادة التفكير في شكل الدولة السودانية القادمة، دولة تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى التوازن لا الاحتكار، وعلى الفدرالية الحقيقية لا الفدرالية التي تُكتب في الدساتير وتُدفن في الممارسة.



