وثيقة نور الدين ساتي تهز المشهد السوداني.. مقترح لإعادة تأسيس الدولة وإنهاء مركزية “دولة 56”
التنوير متابعات

التنوير متابعات
أثار المقترح السياسي الذي طرحه السفير السوداني نور الدين ساتي تحت عنوان “من أجل نظام جديد للحوكمة في السودان” تفاعلاً واسعاً في الأوساط السياسية والفكرية، بعد تسريب النص الكامل للوثيقة التي تدعو إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس فيدرالية جديدة تعالج جذور الأزمة التاريخية وتمنع انهيار البلاد أو انزلاقها نحو التقسيم.

وتأتي الوثيقة في ظل واحدة من أعقد المراحل التي يمر بها السودان منذ الاستقلال، وسط تصاعد الحرب، وتفكك مؤسسات الدولة، وتزايد المخاوف من تشكل كيانات موازية تهدد وحدة البلاد ومستقبلها السياسي.
وبحسب ما أوردته مصادر مطلعة، فإن السفير نور الدين ساتي سلّم نسخة من المبادرة إلى قيادات السلطة في بورتسودان خلال زيارته الأخيرة، كما يعتزم تقديمها لاحقاً إلى قوى سياسية وإدارات أهلية بمدينة نيالا، في محاولة لفتح نقاش وطني واسع حول مستقبل الحكم والدولة بعد الحرب.
إعادة تعريف الدولة السودانية
وتطرح الوثيقة رؤية شاملة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، عبر تفكيك النموذج التقليدي الذي حكم السودان منذ الاستقلال، والذي تصفه الوثيقة بأنه فشل في إدارة التعددية الثقافية والاجتماعية والجهوية، وأنتج مظالم تاريخية دفعت قطاعات واسعة للمطالبة بإعادة تأسيس الدولة.
وحذرت الوثيقة من أن السودان يواجه “خطراً حقيقياً بالتقسيم والتمزق”، داعية إلى معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول الأمنية أو السياسية المؤقتة.
واعتبرت أن ظهور مشاريع الحكم الموازي في بعض الأقاليم، رغم رفضها دولياً وإقليمياً، يعكس حجم الاختلال البنيوي في الدولة السودانية، ويستدعي مقاربة جديدة قائمة على العدالة في تقاسم السلطة والثروة وإدارة التنوع.
نظام فيدرالي واسع الصلاحيات
ويقترح ساتي إنشاء “جمهورية السودان الاتحادية” وفق نظام فيدرالي يمنح الأقاليم سلطات واسعة في الإدارة والموارد والتنمية، مع إعادة رسم الخريطة الدستورية والإدارية للبلاد على أساس الأقاليم التاريخية والجغرافية.
وتشمل الصيغة المقترحة أقاليم دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وشمال السودان، والجزيرة، والنيل الأبيض، وسنار، إلى جانب العاصمة القومية الخرطوم.
كما تدعو الوثيقة إلى تأسيس نظام سياسي مدني ديمقراطي يقوم على المواطنة المتساوية، ومنع تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو جهوية أو عرقية، مع النص صراحة على حظر استخدام الدين لتحقيق مكاسب سياسية.
مقترح جديد لرئاسة الدولة
ومن أبرز ما ورد في المبادرة الدعوة إلى إنشاء نظام جديد لرئاسة الجمهورية يوازن بين وحدة البلاد وتمثيل الأقاليم المهمشة، عبر انتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع الشعبي، إلى جانب تشكيل مجلس اتحادي يمثل الولايات الفيدرالية.
كما تضع الوثيقة تصوراً واضحاً لتقسيم السلطات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، بحيث يحتفظ المركز بملفات السيادة والعلاقات الخارجية والدفاع والسياسات القومية، فيما تُمنح الحكومات الولائية سلطات واسعة في إدارة الموارد المحلية والتعليم والصحة والاستثمار والبنى التحتية.
العدالة في إدارة الموارد
وركزت الوثيقة بصورة لافتة على قضية توزيع الموارد، معتبرة أن فشل الدولة السودانية في تحقيق العدالة الاقتصادية كان من أبرز أسباب النزاعات والحروب.
ودعت إلى وضع نظام جديد لتوزيع عائدات النفط والذهب والمعادن والموارد الزراعية بصورة منصفة بين الأقاليم، مع ضمان استفادة المجتمعات المحلية من ثرواتها الطبيعية بعد عقود من التهميش والإقصاء.
جيش قومي وإنهاء هيمنة القوى العقائدية
وفي الجانب الأمني، شددت المبادرة على ضرورة إنشاء جيش قومي مهني موحد يمثل كافة الأقاليم، ويخضع للنظام المدني الديمقراطي، مع وضع حد لما وصفته بمحاولات اختطاف المؤسسة العسكرية أو توظيفها لصالح قوى سياسية أو جهوية أو عقائدية.
كما دعت إلى إنشاء نظام قضائي مستقل ومفوضية قومية للمصالحات، لمعالجة النزاعات بين المركز والأقاليم وضمان العدالة والمحاسبة عن الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد.
دعم إقليمي ودولي
واقترحت الوثيقة إشراك المنظمات الإقليمية والدولية، بما فيها الإيقاد والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج والترويكا، لتقديم الدعم السياسي والفني والمالي لإنجاح مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية.
ويرى مراقبون أن مبادرة نور الدين ساتي تمثل واحدة من أكثر الطروحات السياسية شمولاً منذ اندلاع الحرب، إذ تتجاوز المعالجات التقليدية للأزمة، وتفتح نقاشاً مباشراً حول طبيعة الدولة السودانية، وهوية الحكم، والعلاقة التاريخية بين المركز والهامش، في لحظة يواجه فيها السودان أخطر تهديد لوحدته منذ عقود.




