
حسن النعمان
إنّ التاريخ حين يُطمَس، وتُحرَّف وقائعه، وتُبنى الذاكرة الجمعية على التضليل والمعلومات المقلوبة، فإنّ النتيجة الحتمية هي أجيال تتحدث بلا ورع، وتتغذّى على الأكاذيب حتى تظنّها حقائق مقدّسة. وحين يمتزج الكذب بالكبرياء، تضيع الموضوعية، وتبهت معاني المعرفة، ويتحوّل الوهم إلى عقيدةٍ راسخة.
لقد عاش كثيرون في حالةٍ من التوهان التاريخي، حتى توهّموا أنّهم الصفوة المطلقة، وأصحاب الحق الحصري في السودان، أرضاً وشعباً وهويةً. هذا الوهم المتراكم انعكس في تعاملٍ متعالٍ ومتعجرف تجاه كثير من أبناء الهامش والقبائل الأخرى، تعالٍ زائف لا يستند إلى حقيقة، بل إلى سرديات صُنعت بعناية من التمجيد الكاذب والبطولات الوهمية.
لكن جاءت هذه الحرب اللعينة، فمزّقت الأقنعة، وعرّت كلَّ من تزيّن بثياب الحرير والزمرد، فإذا بكثير منهم بلا أصلٍ من المجد الذي ادّعوه، ولا سندٍ سوى الرايات الزائفة والطواقي الحمراء والشعارات الفارغة. ظهروا على حقيقتهم، أبناء حاناتٍ ومصالح ونفاق سياسي واجتماعي، يبالغون في المكر والإساءة، ويتحدثون باسم التاريخ وهم أبعد الناس عنه.
وما كل ذلك إلا نتيجة تاريخٍ مأزوم، حُشِد فيه الكذب، وصُنعت فيه بطولات من ورق، وأُلصقت الأقدام بالطين حتى ذابت عند أول اختبار حقيقي. فالتاريخ الصادق لا يخشى الاعتراف بالهزائم كما يروي الانتصارات، ولا يختبئ خلف الزيف خوفاً من الحقيقة.
إنّ الشعوب الراقية تحفظ تاريخها بحسناته وسيئاته، ليكون عبرةً للأجيال. فهي لا تدّعي العصمة، لأن البشر ليسوا ملائكة. في ألمانيا تُدرَّس كل الحقب، حتى الحقبة النازية بكل جرائمها، ويقول الألمان: “هذا جزء من تاريخنا، لكنه لا يمثّلنا.” وفي تاريخ الإمبراطورية الرومانية كانت ساحات المصارعة تُقام للقتل والتسلية، وكان البشر يُذبحون أمام الجماهير. وكذلك في تاريخ فرنسا وحقب التعذيب والخوازيق والمشانق، كل ذلك يُعرض ويوثَّق بلا خوف من الحقيقة.
أما نحن، فما زلنا نهرب من مواجهة تاريخنا الحقيقي، ونغطي العيوب بطلاءٍ من الأكاذيب والعنصرية المصطنعة.
إنّ الذين سُقوا خطاب التفوق والعنصرية، ثم صاروا يمنّون على شعوب الهامش، يجب أن يدركوا حقيقةً لا يمكن طمسها: أن كثيراً مما يعيشون فيه من عمرانٍ وتعليمٍ ورفاهٍ وثروات، إنما شُيّد من عرق أولئك الذين احتُقروا، ومن خيرات أقاليمهم التي لم يعرفها البعض إلا من باب النهب والاستغلال. وأنّ الخرطوم نفسها ارتوت بدماء أجداد المهمشين والكادحين، لا بأحاديث المتفاخرين على الأرصفة والمجالس.
فمن الذي يحق له أن يقول للآخرين: “لقد جعلناكم تعيشون بيننا”؟
ومن الذي قدّم الأرض والدم والثروات، ثم وُضع في الهامش ليُشتم ويُهان؟
لقد جاءت هذه الحرب القاسية لتخلع الثياب المزركشة عن الكذب والنفاق، وتكشف العراة أمام الحقيقة. كشفت من كان يختبئ خلف الشعارات، ومن كان يبيع الوهم باسم الوطنية والصفوة والتاريخ.
ولذلك، فإنّ السودان لن ينهض إلا إذا كُتب تاريخه كاملاً، بلا تزوير ولا انتقاء، تاريخاً يعترف بكل ما فيه؛ من ظلمٍ وعدالة، من بطولةٍ وخيانة، من مجدٍ وسقوط، حتى ينشأ جيلٌ يعرف الحقيقة كما هي، لا كما أرادها المزورون.
شكراً للإطار الذي انكسر فكشف الصورة.
وشكراً لخمسة عشر أبريل، رغم مرارتها، لأنها أسقطت الأقنعة وأظهرت الحقائق




