
محمد داؤد بنداك.
أحنُّ إليكِ يا عبري… حنينا ماج في صدري ..
حنينًا يشتعل في الصدر كلما تذكرتُ تلك المدينة النوبية العريقة، المدينة التي ظلت لآلاف السنين رمزًا للسلام والكرامة والتعايش الإنساني النبيل.
عبري ليست مجرد مدينة صغيرة على ضفاف النيل، بل هي امتدادٌ حيٌّ لوادي حلفا، وشقيقتها التي رضعت من ذات الثدي؛
ثدي الثقافة النوبية التي علّمت الناس معنى الطيبة، واحترام الإنسان، والسلم الاجتماعي.
وفي عبري عاش الناس بسطاء، شرفاء، متعلقين بأرضهم ونخيلهم وحقولهم، لا يطلبون من الدنيا أكثر من حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة.
لكن حتى هذا الحق البسيط أصبح اليوم جريمة في وطنٍ اختطفته سلطة لا ترى في المواطن سوى تابعٍ صامت أو خصمٍ يجب سحقه.
منذ شهور طويلة يعيش أهل عبري تحت حصارٍ قاسٍ بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، ولكن المأساة في عبري ليست مجرد ظلام منازل، فهذه كارثة اعتادها السودانيون في كل مكان.
أما في عبري، فإن انقطاع الكهرباء يعني موت الزراعة نفسها؛
يعني احتراق تعب المزارعين، وضياع الموسم الزراعي، وهلاك القمح والفول والحمص، وتحويل الأرض الخصبة إلى أرضٍ يابسة تدفع أهلها دفعًا نحو الهجرة والنزوح والفقر.
لقد فهم أهل عبري الرسالة جيدًا:
إما أن تتركوا أرضكم، أو تُتركوا للموت البطيء.
وأمام هذا الواقع المرير، خرج شباب عبري في مظاهرات سلمية منظمة، يهتفون من أجل الكهرباء، من أجل الزراعة، من أجل حقهم في البقاء فوق أرض الأجداد.
لم يحملوا سلاحًا، ولم يدعوا إلى عنف، بل حملوا أصواتهم فقط.
لكن سلطة الخوف والجبن لا تحتمل حتى صوتًا أعزل.
فما إن ارتفعت هتافات الشباب حتى اندفعت القوات الأمنية إلى المدينة بعقلية الجيوش الغازية، فأغرقت الشوارع بقنابل الغاز والدخان، ثم تجاوزت كل الحدود الأخلاقية والإنسانية باقتحام المنازل وترويع الأسر واعتقال الشباب من داخل بيوتهم.
أيُّ دولةٍ هذه التي تحارب مواطنيها لأنهم طالبوا بالكهرباء؟
وأيُّ سلطةٍ تلك التي ترتعد من صوت المزارعين والطلاب والنساء؟
إن اقتحام البيوت في المجتمع النوبي ليس مجرد انتهاكٍ قانوني، بل اعتداءٌ على الكرامة والشرف والقيم الاجتماعية المتجذرة منذ آلاف السنين.
وما حدث في عبري ليس “إجراءً أمنيًا” كما سيحاول إعلام السلطة أن يصوره، بل هو فعل قمعٍ فجٍّ يكشف الطبيعة الحقيقية لنظامٍ لم يعد يملك من أدوات الحكم سوى الغاز والهراوات والخوف.
لكن التاريخ يقول دائمًا إن الشعوب التي تتشبث بأرضها لا تُهزم.
وأهل عبري سيظلون أوفياء لترابهم، ثابتين فوق أرضهم، لأنهم يدركون أن اقتلاع الإنسان من أرضه هو الوجه الآخر للموت.
وسيظل صوتهم أعلى من القمع، وأقوى من الرصاص، لأن قضية الحياة لا يمكن أن تُهزم مهما طال ليل الاستبداد.
وعاجلًا أم آجلًا، ستسقط كل الأنظمة التي تعادي شعوبها، ويبقى الوطن لأهله الحقيقيين.
محمد داؤد بنداك




