
مؤيد الأمين
في علم الحروب الحديثة لا يبدأ سقوط الأوطان عند أول طلقة رصاص بل عند اللحظة التي يقتنع فيها الناس أن بعضهم أخطر من العدو نفسه
حين يتحول الجار إلى مشروع شك
والاختلاف إلى تهديد
والهوية إلى سكين تقسّم المجتمع بصمت
تكون الحرب قد نجحت فعليا حتى لو ظلت المعارك مستمرة على الأرض
هذا تماما ما يحدث في السودان اليوم
فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بل أصبحت عملية طويلة ومنظمة لإعادة تشكيل وعي المجتمع السوداني عبر إعلام تعبوي قائم على التخويف والتحريض وصناعة الكراهية
إعلام لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن تعميق الانقسام وتمزيق الروابط الاجتماعية حتى يفقد الناس قدرتهم على التوحد في مواجهة الأزمة
الإعلام الحربوي المرتبط بالحركة الإسلاموية لم يعد مجرد منصة سياسية منحازة بل تحول إلى ماكينة نفسية ضخمة تعمل على تغذية العنصرية والقبلية والجهوية بصورة يومية
كل خطاب فيه يدفع الناس إلى الاحتماء بهوياتهم الضيقة
وكل مادة منشورة تسحب المجتمع خطوة إضافية نحو التفكك
حتى أصبحت لغة التخوين والكراهية أكثر حضورا من لغة الوطن والمصير المشترك
ورغم انكشاف حجم التضليل والتلاعب الذي مارسته هذه المنصات خلال سنوات الحرب إلا أن خطابها يزداد شراسة لأن مشروع الحرب نفسه يعتمد على تفتيت المجتمع وتحويل المواطنين إلى جماعات خائفة ومتصارعة يسهل التحكم فيها
فكلما انهارت الثقة بين الناس تمددت سلطة السلاح
وكلما ضعفت فكرة الوطن ارتفعت أسهم تجار الحرب والطفيليين الذين يعيشون على الخراب
والمفارقة المؤلمة أن هذا الإعلام يحاول رسم صورة خيالية لسودان آمن ومستقر بينما يعيش ملايين السودانيين أوضاعا إنسانية كارثية
الجوع ينهش الأسر
المرض يحاصر النازحين
والخوف أصبح جزءا يوميا من حياة الناس
ورغم ذلك يخرج الإعلام الكيزاني مطالبا المواطنين بالعودة وكأن الوطن لم يتحول إلى مساحة مفتوحة للموت والقلق وانعدام الأمان
إن أخطر نتائج هذه الحرب ليست فقط في عدد الضحايا أو حجم الدمار بل في تآكل الإحساس الجمعي بالأمان
فالإنسان الذي يبدأ بالخوف من لهجة الآخر أو قبيلته أو منطقته يفقد بالتدريج شعوره بالانتماء الوطني
وهنا تحديدا تتحقق أهداف دعاة الفتنة الذين يدركون أن الوطن الموحد أخطر عليهم من أي سلاح
ما حدث في مناطق مثل عبري يكشف بوضوح كيف تتحول الفوضى العسكرية إلى انتهاكات تضرب كرامة المدنيين مباشرة
اقتحامات للمنازل
تحرش وانتهاكات
ترهيب للشباب ومحاولات لإسكات الأصوات الحرة
وهي ممارسات لا تصنع أمنا بل تخلق غضبا مكتوما وجروحا اجتماعية عميقة قد تمتد آثارها لأجيال كاملة
وفي الأحياء الشعبية ما زالت الطائرات والمسيرات تحصد أرواح المدنيين الذين أجبرتهم الظروف على البقاء وسط نيران الحرب
أسر كاملة تعيش تحت دخان المعارك
أطفال ينامون على أصوات الانفجارات
وأمهات لا يملكن سوى الدعاء في مواجهة واقع يفوق قدرة البشر على الاحتمال
هذه ليست مجرد أزمة سياسية بل حالة إنهاك جماعي لشعب كامل
ورغم هذا المشهد القاسي ما تزال القوى المدنية غارقة في الخلافات والانقسامات
مؤتمر يتبعه مؤتمر
ونقاشات لا تنتهي حول التفاصيل بينما الوطن نفسه يتآكل
ومع أن الجميع يدرك أن الحل الحقيقي لن يأتي إلا عبر مشروع مدني ديمقراطي موحد إلا أن حالة التعنت والتمسك بالمواقف الضيقة ما تزال تعطل أي فرصة لإنقاذ البلاد
لقد أثبتت الحرب أن الإسلامويين والطفيليين وتجار الأزمات يجيدون الاصطفاف خلف مصالحهم مهما كانت نتائجها مدمرة على الشعب
بينما القوى المدنية التي تحمل مشروع السلام والدولة العادلة ما تزال عاجزة عن بناء جبهة موحدة بحجم الكارثة
لهذا فإن اللحظة الحالية ليست لحظة مجاملات سياسية بل لحظة مراجعة تاريخية حقيقية
إما أن تدرك القوى المدنية والثوار أن وحدتهم أصبحت ضرورة وجودية لإنقاذ السودان
أو يواصل إعلام الحرب تمزيق المجتمع حتى يفقد السودانيون ما تبقى من وطنه
الثورة السودانية لم تكن يوما ثورة جهة أو قبيلة أو حزب
كانت صرخة شعب يريد الحياة والكرامة والسلام
ولهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط ضد الرصاص بل ضد خطاب الكراهية وضد كل مشروع يستثمر في دماء السودانيين ليبقى الوطن ضعيفا وممزقا
وحده الوعي الجمعي القادر على تجاوز العنصرية والجهوية يمكن أن يهزم إعلام الحرب
ووحدها وحدة القوى المدنية والثوار يمكن أن تعيد للسودان صورته التي يحاول دعاة الفتنة دفنها تحت رماد المعارك والخوف والانقسام




