رأي

وكالة أنباء السودان الجديد… حين يصبح الإعلام جزءًا من معركة الحقيقة

سمية النور دهب .. دبلن

 

سمية النور دهب .. دبلن

في زمنٍ تتكاثر فيه الأكاذيب، ويتراجع فيه صوت الضحايا أمام ضجيج السلاح والدعاية، يصبح الإعلام أكثر من مجرد ناقل للأحداث؛ يتحول إلى ساحة مواجهة حقيقية بين الحقيقة والتضليل. من هذا المنطلق، تأتي خطوة تأسيس وكالة أنباء السودان الجديد كمحاولة جادة لإعادة الاعتبار للصحافة بوصفها ضميرًا عامًا، لا أداة في يد السلطة أو الجماعات المتحاربة.

السودان اليوم يعيش واحدة من أكثر فتراته قسوة وتعقيدًا، حيث الحرب لم تكتفِ بتدمير المدن وتشريد البشر، بل امتدت إلى وعي الناس، عبر حملات منظمة لتزييف الوقائع وشيطنة الآخر وتبرير الجرائم. وسط هذا المشهد، برز فراغ إعلامي خطير، تُركت فيه المجتمعات المتأثرة بالحرب دون صوت، وتحولت المأساة اليومية إلى أرقام باردة أو أخبار مبتورة.

تأسيس وكالة أنباء السودان الجديد، بمبادرة من الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، يحمل دلالة سياسية وإعلامية في آن واحد. فهو يعكس إدراكًا بأن معركة التغيير لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالكلمة الموثقة، والرواية الصادقة، وتقديم الحقيقة من الميدان كما هي، لا كما يراد لها أن تُروى.

ما يميز هذه الخطوة ليس فقط الإعلان عن منصة إعلامية جديدة، بل التأكيد على ثلاث قيم أساسية طالما افتقدها المشهد الإعلامي السوداني: الحرية، والاستقلالية، والحضور الميداني. فالحديث عن المهنية والمسؤولية في سياق حرب مفتوحة ليس أمرًا سهلًا، لكنه ضرورة أخلاقية قبل أن يكون خيارًا مهنيًا.

وكالة أنباء السودان الجديد، إن التزمت بما أعلنته من معايير، يمكن أن تمثل مساحة مهمة للأصوات المهمشة، ولضحايا الحرب الذين غُيّبوا طويلًا، كما يمكن أن تسهم في تفكيك خطاب الكراهية والعنصرية الذي غذّته الحرب، وهدد وحدة المجتمع السوداني ونسيجه التاريخي.

غير أن التحدي الأكبر سيظل في القدرة على المحافظة على الاستقلالية والصدقية وسط بيئة سياسية وأمنية شديدة الاستقطاب. فالمجتمع السوداني لا يحتاج إلى إعلام منحاز بقدر حاجته إلى إعلام شجاع، يضع الحقيقة فوق الحسابات، ويمنح الناس حقهم في المعرفة دون وصاية.

في النهاية، لا يمكن بناء سلام مستدام دون وعي عام يستند إلى معلومات موثوقة. وإذا نجحت وكالة أنباء السودان الجديد في أن تكون منبرًا للحقيقة لا للبروباغندا، فإنها لن تكون مجرد مؤسسة إعلامية، بل جزءًا أصيلًا من معركة السودان من أجل العدالة، والسلام، والدولة المدنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!